إعادة رسم خريطة الهيمنة في المنطقة، بقيادة إسرائيل وبرعاية أمريكية وغربية كامل

محمد ابراهيم بسيوني
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد سياسي أو صراع عسكري عابر، بل محاولة ممنهجة لإعادة رسم خريطة الهيمنة في المنطقة، بقيادة إسرائيل وبرعاية أمريكية وغربية كاملة. لم يعد الهدف هو الحد من التوتر أو وقف البرنامج النووي الإيراني فقط، بل تطويع المنطقة بأكملها وفرض منطق الغلبة على كل من يفكر في أن يرفع رأسه أو يتمسك بسيادته.
ترامب، بما يمثله من وجه فج للرأسمالية المتوحشة، لا يسعى إلى التفاوض بقدر ما يسعى إلى فرض الاستسلام الكامل. المطلب واضح وصريح: أن تركع إيران، وتُجرد من أي قدرة على المقاومة، ثم تُقدَّم نموذجًا لبقية الدول، لتتعلم الدرس بأن من لا يخضع، يُسحق. وما يجري اليوم في طهران هو بروفة لمصير قد يُكتب لأي عاصمة عربية أو إسلامية تجرؤ على أن تكون مستقلة أو أن تفكر خارج حدود ما ترسمه تل أبيب وواشنطن.
السياسيون في الغرب، ومعهم كثير من الأصوات في منطقتنا، يكرّرون مصطلح “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، متجاهلين أن إسرائيل هي من تبدأ الحروب، وهي من تغتال العلماء وتضرب المطارات وتُفجّر السفارات. إسرائيل لا تدافع، بل تُهاجم، ثم تُحصّن عدوانها تحت غطاء قانوني زائف صنعته بنفسها، ويردد العالم وراءها ببلاهة أو تواطؤ.
ما يحدث مع إيران اليوم ليس استثناءً، بل هو نموذج قيد التعميم. وكل من يعتقد أن العداء مع إيران يبرر الصمت أو التواطؤ، واهم وخطير. القضية لا تتعلق بمدى توافقنا أو اختلافنا مع سياسات النظام الإيراني، بل بما يُراد فرضه على المنطقة: أن يُمحى أي شكل من أشكال الإرادة الحرة، وأن تتحول الشعوب إلى قطعان لا تملك سوى الطاعة، وأن يُعاد تشكيل العالم الإسلامي ليكون تابعًا بالكامل للمشروع الصهيوني.
إذا سقطت إيران بهذا الشكل، ستكون الرسالة واضحة: من لا يرضخ لإسرائيل، فمصيره التدمير. لن ينجو أحد بعد ذلك. لا مصر، ولا تركيا، ولا الخليج، ولا شمال أفريقيا. وستُستخدم كل الأدوات الممكنة: العقوبات، الحروب، الانقلابات، وحتى الحصار الغذائي، لفرض هذا النظام العالمي الجديد. إسرائيل لا تسعى إلى أمن، بل إلى تفوق مطلق، وشعبها لا يريد التعايش، بل الهيمنة والاستعلاء.
نحن لا ندافع عن النظام الإيراني، بل عن مستقبلنا نحن، عن حق شعوبنا في ألا تُدار بالريموت من تل أبيب، عن كرامة أمّة يُراد لها أن تُنسى، ويُعاد تشكيل وعيها على مقاس المحتل والمعتدي. نحن ندافع عن حق أبنائنا في أن يولدوا في عالم يحترم الإنسان، لا في عالم يُدار بمنطق القنابل الذكية والمبررات الجاهزة.
هذه المعركة، وإن بدأت من طهران، فإنها معركتنا جميعًا.
د. محمد ابراهيم بسيوني



