الاحتيال الاجتماعي
رحيم حمادي غضبان
تُعدّ الانتهازية والاستغلال من أكثر السلوكيات السلبية التي ينبذها المجتمع، لما لهما من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية على الأفراد. ورغم التقارب الكبير في المعنى، إلا أن هناك فرقًا دقيقًا بينهما يجب التوقف عنده، لفهم طبيعة هذه التصرفات وطرق الحماية منها.
الانتهازية هي سلوك يتسم باغتنام الفرص دون اعتبار للمبادئ أو القيم الأخلاقية، حيث يسعى الشخص الانتهازي إلى تحقيق مصالحه الذاتية حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين. في المقابل، يُعد الاستغلال فعلًا فيه ظلم واضح، يقوم من خلاله شخص باستخدام حاجة أو طيبة أو ضعف غيره لتحقيق منفعة شخصية، وغالبًا ما يُلحق بالضحية ضررًا ماديًا أو نفسيًا مباشرًا.
ورغم الفروقات الطفيفة، إلا أن السلوكين يتقاطعان في جوهرهما القائم على الأنانية واللامبالاة بمصالح الآخرين. ولهذا السبب، يُنظر إليهما في بعض الحالات كجزء من جرائم الاحتيال، خاصة إذا ترتب على هذه السلوكيات ضرر ملموس مثل النصب أو خداع الضحية بطريقة منظمة.
ويتساءل كثيرون: لماذا يقعون ضحايا لمثل هذه السلوكيات؟ الإجابة ترتبط بعدة عوامل نفسية واجتماعية، أبرزها الطيبة الزائدة، أو السذاجة، أو قلة الخبرة، أو حتى الثقة العمياء. كما يُسهم الجهل بالحقوق القانونية والاجتماعية في تمكين المستغل من فرض سيطرته. ولا يمكن تجاهل مهارة بعض المستغلين الذين يمتلكون ذكاءً اجتماعيًا عاليًا وقدرة على التلاعب والإقناع، تجعلهم يخفون نواياهم الحقيقية خلف أقنعة زائفة من المساعدة أو الصداقة أو الحب.
في البيئات المهنية والتجارية، يأخذ الاستغلال والانتهازية أبعادًا أكثر تعقيدًا، فقد يستغل أحدهم جهلك بالعقود أو حاجتك للوظيفة لفرض شروط مجحفة، أو التلاعب بالعلاقات لتحقيق مكاسب مهنية لا يستحقها. وفي هذه الحالات، يصبح هذا السلوك قريبًا من التوصيف القانوني للاحتيال، ما يستدعي التدخل التنظيمي والقانوني.
ولتجنّب الوقوع ضحية لهذه الممارسات، ينصح الخبراء بعدة خطوات وقائية مهمة. أولها تعلم قول “لا” ووضع حدود واضحة في العلاقات الشخصية والمهنية. كما يُوصى بتعزيز الذكاء العاطفي، لما له من دور كبير في كشف النوايا الخفية وراء بعض السلوكيات. بالإضافة إلى أهمية الإلمام بالحقوق القانونية، والاعتماد على التوثيق في المعاملات، خاصة المالية منها.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك التوازن بين الطيبة والحذر؛ فحُسن الظن فضيلة، لكن يجب أن يُرافقه وعيٌ كافٍ لتفادي الوقوع في شباك المستغلين. كما يُنصح بالاستفادة من التجارب الشخصية أو تجارب الآخرين، وتحويلها إلى دروس وعي تُحصّن النفس من الوقوع في الفخ ذاته.
في نهاية المطاف، تظل الانتهازية والاستغلال سلوكيات غير أخلاقية، لكنها تجد أرضًا خصبة في الجهل والضعف والسذاجة. ويبقى الوعي الذاتي، والتربية على القيم، وتعلم المهارات الاجتماعية والقانونية، أدوات فعالة لردع هذا السلوك ومواجهته. فكن طيبًا، لكن لا تكن ساذجًا. ساعد، لكن لا تُستَغل. ثق، لكن لا تُخدع.



إرسال التعليق