مشكلتنا في العراق ثقافية لا سياسية!

قرأتُ مؤخرا كتابا مهما جدا للكاتب المصري الشهير (أحمد أمين) صاحب الكتب التاريخية المهمة فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام وغيرها ، قرأت في كتابه (الشرق والغرب) توصيفا جميلا وتحليلا هاما رأى فيه “الغربيون يفهمون أن الحكومة هيئة تمثلهم، وترعى مصالحهم، نعم إن هذا المعنى بدأ بسيطا عندهم، بدأ باقتناعهم أن أية ضريبة لا يصح أن تفرض على الشعب إلا بموافقة ممثليه، ولكنه تطور حتى انتهى ببسط إشراف الشعب المطلق على الحكومة. وهم يكرهون السلطان المطلق ويعدونه نقمة كبرى يجب أن تزال، أما في الشرق فقد توالى عليهم الظلم والاستبداد، ولم يصادفهم رجال أقوياء يصرخون ضد الظلم ويقفون الظالم عند حده، فجرأ الحكام عليهم إذ رأوا سكوتهم عما لحقهم، بل ومقابلة الشعب ظلم الحكام بمديحهم والدعاء لهم بإعلاء شأنهم، تعتقد الحكومة في الغرب أن أول مهامها ضمان الأمن للشعب في نفسه وماله. ويرى المحكومون أن ذلك أول واجب عليها تحقيقه، فإن لم يحقق ثاروا وطلبوا وألحوا في الطلب. أما في الشرق فقد عبر عنه سعد باشا زغلول تعبيرا صادقا؛ إذ قال ما معناه أن الحاكم ينظر إلى المحكوم نظرة الصائد للطائر، والمحكوم ينظر إلى الحاكم نظرة الطير للصائد، اعتقاد الشعب الغربي أنه هو وحده الذي يملك حق تشريع القوانين بواسطة من يمثله، على حين أن الحكومة في الشرق ترى من حقها أن تشرع ما تشاء من غير أن يكون عليها حسيب أو رقيب، اعتقاد الشعب الغربي أن له الحق على دولته في أن تعلمه وتقيه شر الجهل والمرض والفاقة، بينما الدولة في الشرق ترى أن تلك الأمور كلها ليست واجبا عليها. وأنها إن فعلت فتفضل منها”.
انتهى كلام عميد التاريخ العربي أحمد أمين، وبمقابلة بسيطة مع وضعنا الراهن في العراق، أرى أننا مصداق حقيقي لفهم الشرق لحكوماته، فأغلبنا نشكر رئيس الوزراء أو الوزير أو المحافظ إذا قرر أو أشرف على توزيع منحة أو تبليط شارع أو بناء مدرسة أو جسر أو ترميم بناية قديمة، في الوقت الذي يرى الغربي أن ذلك من واجباتهم كممثلين له في أداء السلطة، نرى نحن الشرقيون بصورة عامة والعراقيون بصورة خاصة أن ذلك منة وكرم ينبغي أن نشكرهم عليه، ومن هنا تبدأ المشكلة إذ يتصور الرئيس أو الوزير أو المحافظ الذي أصبح رئيسا أو وزيرا بأصواتنا الانتخابية أنه صار ملكا منصبا من السماء يقرّب المداحين ويبّعد المنتقدين وبالتالي يسقط في وحل من كان قبله، والطامة الكبرى أن العراقي لا زال يخيّر بين صدام حسين ومن جاء بعده وكأنه مكتوب علينا إما أن نخضع لصدام وغطرسته مع أقاربه وأبنائه أو نخضع لحاكم جاء بعده في انتخابات وراح يفعل كما فعل صدام في بداياته بتقريب الأقارب وأبناء حزبه وهكذا يحاول صناعة صدام صغير من نفسه!
إذن حل المشكلة يكمن في تحّولنا من الفهم الشرقي للحكومة إلى الفهم الغربي لها، فمن جاء في الانتخابات ما هو إلا ممثل لنا خلال سنوات أربع كي يدير أمورنا، إن أثبت نجاحا وجدارة نعيد انتخابه وإن فشل وفسد لن نعطيه أصواتنا، فقد ولّى عهد نظام الحزب الواحد والقائد الضرورة والإجبار على الانتخاب والانتماء والولاء، أليس كذلك أيها العراقيون، أتمنى أن نفهم جميعا ذلك.
وليد عبدالحسين: محام

إرسال التعليق