تعاليق حرة

وللرّداءة أهلها

*

*

رشيد مصباح (فوزي)

*

عرفتم الآن لماذا تكره الأنظمة الشمولية مثل الأنظمة العربية الديمقراطية وتحاربها بشدّة وتجنّد لها الإعلام والمشايخ ليسبّوها و يلعنوها ويخوّنوا ويكفّروا كل من ينادي بها ويدعوا إليها. هذه الأنظمة التي تحرص على تجهيل وتفقير شعوبها، فتتقوّى وتستفيق فتنهض.

إن مثل هذه الأنظمة الأخطبوطية سيطرت خلال عقود من الزمن على الوعي، تجنّد له كل الوسائل النّاعمة؛ بما في ذلك وسائل الإعلام التّابع لها، وبيوت الله التي يُمارس فيها التضليل من خلال التعليمات التي تصدر من الجهات الإدارية والأمنية.

لقد عشنا عقودا من العبث؛ نشاهد الأفلام الماجنة، و نقرأ العناوين الفارغة، و التي تهلّل وتطبّل وتمجّد، ولم نعرف خلالها إعلاما تنويريا حقيقيّا إلّـا في ظلّ انتشار الأنترنت وهذه الوسائل التكنولوجية الحديثة التي عرّت الأنظمة الشمولية فانكشف وجهها الحقيقي، فقامت بتجنيد عملاء وما يسمّى بالذّباب الإلكتروني، تنفق وتغدق عليه، فالأنظمة الشمولية المستبدّة تتصرف في أموال الشعب كما يحلو لها. وتصدر القوانين الصّارمة؛ لمحاربة أصحاب الرأي والفكر الحر ، وللحد من انتشار الوعي بين الأفراد.

عقود من الزمن كنّا حلالها لا نشاهد إلّـأ الأفلام الرّومنسية والمسلسلات التي تعمل على إثارة المشاعر وتغييب وتعليب العقول وتسطيحها، ولا نطالع من الأخبار إلّـا التي تمجّد النّظام الحاكم ودوائره، ولا يُسمح إلّـا بالمقالات التي تسبّح بحمد النظام وتحمد الله عليها.

برغم هذا الأنفتاح الذي أطاح بكل الطابوهات المفروضة من قبل الأنظمة الشمولية المستبدّة، وعبّد الطريق أمام الحريّة؛ حريّة التفكير والتعبير، وصار الناس يعبّرون عن آرائهم بكل حريّة… إلّـا أن هناك من لا يزال يحنّ إلى العبودية ويتمسّح بها؛ من المتملّقين الذين يتم توظيفهم خصّيصا لمحاربة الفكر والرّأي الحر بشتى الأساليب والطرق. تجدهم في كل مكان يتابع فيه الناس ما يهمّهم ويشغلهم. تضجّ بهم الدّور والفضاءات، وفي مواقع التواصل الإجتماعي يشعلونها بتُرّهاتهم وتفاهتهم.

أمام ثقافة العبث الدّخيلة وتفشّي الريّاء وكثرة الدجل، و مع توفّر تقنيات التزييف والتحريف، ، لم يعد بإمكان الناس في زمن وعصر كهذا؛ عصر الأنترنت وتكنولوجيا الفضاء المفتوح، التفرقة بين المزيّف والصّحيح والمغشوش والحقيقيّ؛ عمّ العبث وتغلّب الرّديء والرّكيك التّافه على الجيّد والصّالح الحسن.

”نحن في زمن الرداءة وللرّداءة أهلها“: ويكأنّ قائلها حيّ يُرزق.

نحن أمام عبث منظّم، ورداءة مقنّنة. أمام أنظمة شمولية مستبدّة تقمع كل أشكال الحريّة، وتردع كل من يشكّل خطرا عليها ويهدّد وجودها، وهؤلاء الذين من حولها سحرة كسحرة فرعون الأوّل، يمارسون السّحر والدّجل لإرضاء فرعونهم؛ فاللّهم أغدق علينا بما يخفّف عنّا هذا الألم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى