رواية “أولاد جلوة” للرّوائيّ قاسم توفيق جذور ورمال، وحكاية قبيلة عبر الأجيال

صباح بشير


رواية “أولاد جلوة” للرّوائيّ قاسم توفيق
جذور ورمال، وحكاية قبيلة عبر الأجيال

يستخدم الأديب قاسم توفيق خيوط سرد محكمة؛ لينسج
عالم روايته “أولاد جلوة”، الصّادرة عن “الآن ناشرون
وموزّعون”، في مئة وواحدة وثمانين صفحة من القطع
المتوسّط.
في رحاب هذا المقال، سنبحر معا في أعماق رواية
“أولاد جلوة”، محلّلين خباياها ودلالاتها المتشابكة،
نتجوّل بين صفحاتها؛ لنستكشف كيف تتجذّر الحكايات
في ثرى التّاريخ، وتتجسّد مآسي الأجيال في سطور
نابضة، نتأمّل في تقاطعات الأصوات الّتي تشكّل النسيج
الرّوائيّ، وتبرز عمق الفكر وسمو القلم في مقاربة
القضايا الإنسانيّة.
يستهلّ السّارد هذا العمل بنبرة حزينة مؤثّرة، في رسالة
خطّها رجل يترقّب الموت قتلا، ثأرا من قبيلته المسمّاة

بالهذّاعيّين، وذلك لقتلهم فردا من قبيلة “الجوازيّة” الّتي
تسعى للانتقام بإجلائهم عن ديارهم وقتل رجالهم.
كان ذلك في الخامس من تمّوز عام ألفين وخمسة، معلنا
ذلك الرّجل بوعي حاضر لما يحيط به، وعلى الرّغم من
ذلك، لم يعد هاجس الخوف يأسره؛ ليجد نفسه متحرّرا
من قيود الهلع وسلطان الفزع، متفكّرا في إنجاز فعل يليق
بمقام رجل يودّع الحياة، فكتب في الصّفحة التّاسعة: “َلا
سبيل لقتل الوقت لحين أن أقتل سوى الكتابة.. امتطيت
مخيّلتي وجبت عوالمي إلى أن وقفت بها عند يومي
الأخير”.
ينتقل بالحديث إلى صديق افتراضيّ عثر عليه صدفة
على “فيسبوك”، مدوّنا في مقدّمة صفحته هذه العبارة
(ص7): “الكتابة محاولة لمواجهة العالم، عندما تتهاوى
الأرواح في جحيم العبث”.
أثارت هذه العبارة اهتمامه فكتب لهذا الصّديق
الافتراضيّ(ص7): ” لفتني منشور لك عن جدوى
الكتابة، استوقفتني كلماتك وأنا المتعجّل، فقرّرت أن أكتب
لك هذه الرّسالة، وأرسل معها روايتي الأولى والأخيرة،

كتبتها قبل زمن ولم أحظ بناشر لها، لذلك.. تركتها وبقيت
أنتظر وأنا آمل أن تصل ولو لقارئ واحد، حتّى يشاركني
عزلتي”.
ثمّ قرّر أن يكتب رسالة أخرى إلى حبيبته، وهي من قبيلة
“الجوازيّة”، مسطّرا كلماته بعمق مشاعره.. فكتب
(ص180): “كيف فاتنا أن نتذكّر أنّ العشق في شرقنا
جريمة؟ حزين يا حبيبتي حدّ الموت، أكتب لك وأنا
أعرف أنّه لا سبيل يوصلني إليك.. حسمت أمري ولم
أطأطئ رأسي.. وليكن ما يكون”.

التّصنيف النّقديّ:
هي رواية اجتماعيّة ذات خلفيّة تاريخيّة، فجوهرها
الأساسيّ يكمن في استكشاف الدّيناميكيّات الاجتماعيّة
والعلاقات الإنسانيّة والقضايا المجتمعيّة الّتي كانت سائدة

في وقت ما. أمّا الأحداث التّاريخيّة فتلعب دور الخلفيّة أو
السّياق الّذي تتفاعل ضمنه الشّخوص وتتطوّر الأحداث،
إذ تنطلق بنا في غمار رحلة استطلاعيّة، تستجلي بدايات
حقبة زمنيّة، تمتدّ جذورها من القرن الثّامن عشر
الميلاديّ، وتتشابك فروعها حتّى مشارف القرن
العشرين.
إنّها برهة تاريخيّة سمتها البارزة، إهمال أحاط بأرجاء
المنطقة العربيّة وأكنافها، فأفضى ذلك إلى بزوغ الهيمنة
القبليّة. وفي ثنايا السّرد، يغوص الكاتب في تحليل سمات
تلك الحقبة وتفاعلاتها مع صيرورة الأحداث الاجتماعيّة
والسّياسية المحيطة بالمكان الرّوائيّ، وهو الصّحراء
الأردنيّة.
وبفضل مزجها الفنّيّ بين الأبعاد الاجتماعيّة والتّاريخيّة،
تقدّم الرّواية تحليلا عميقا، فأحداثها التّاريخيّة ليست خلفيّة
جامدة، بل هي نسيج حيّ تتكشّف من خلاله ظروف
البادية بكلّ تعقيداتها، وهنا.. يتجاوز السّرد تسجيل
الوقائع؛ ليغوص في تشريح الصّراعات بين الفرد
والمجتمع في سياق زمنيّ ومكانيّ محدّد.

يتيح هذا التّداخل استقراء التّحوّلات المجتمعيّة، ويجسّد
رؤية فنّيّة تعلي من شأن التّفاعل بين شخوص العمل
وقضاياهم، فهذه الرّواية، هي جذور ورمال وحكاية قبيلة
عبر الأجيال، إنّها سيرة للذّاكرة الجمعيّة، تحكي عن
أرض تفاعلت معها الأقدام، وعن فكر يعيش في رأس
العربيّ مهما صعدَ في مدارج الحداثة، ففي كلّ حرف
نُحِتَ في جسد السّرد، تنبض أرواح عاشت ومضت،
تعكس وجوهنا المتعدّدة وتظهر تجاعيد الزّمان على
صفحات الأيّام.

العنوان.. مأساة اجتماعيّة وتداعيات النّفيّ القسريّ:
يكشف العنوان “أولاد جلوة” عن إشارة بالغة الدّلالة إلى
ظاهرة اجتماعيّة قديمة، طالما استوطنت رحاب الدّيار
العربيّة، وارتبطت ارتباطا وثيقا بجرائم القتل، حيث
تجبر عائلة الجاني على مغادرة موطنها قسرا، اتّقاء من
الثّأر المستعر في أفئدة أهل الضّحيّة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك