سأعود بعد ثلاثين سنة

”سأعود بعد ثلاثين سنة“
—-

*
رشيد مصباح(فوزي)
الجـزائر

*
نصف قرن تقريبا يمر على عبارة وجملة لمفكّر أدرك أن ثمّة فجوة ”زمكنية“ تحول بينه وبين قدرة الجيل على استيعاب أفكاره ”غير التقليدية“ لأنّه مثلما نقول يفكّر خارج العلبة.
لم يكن مالك بن نبي يحسن النطق باللغة العربية، ومع ذلك كان أيمانه بآرائه وأفكاره عتيدا. وهو ما جعله يقارع الاستبداد بأنواعه السياسي والفكري، لسنين طويلة تاركا وراءه ارثا كبيرا وثريّا لا يزال يشهد على عبقرية هذا العلّـامة المحترم والمفكّر الكبير.
أقول هذا ولأنّني وللأسف لم أقرأ لهذا النّابغة الجزائري، مكتفيا ببعض المحاضرات التي كان يلقيها بعربية نوعا ما ركيكة، ولأن الرّجل لم يكن لديه خيارا في ذلك فقد عاشر الفرنسيين في ظروف الاحتلال، وتتلمذ في المدارس الفرنسية، لكن ذلك لم يشكّل له عقدة تحول بينه وبين أصوله وانتمائه وحبّه للعربية وغيرته على الاسلام، فكان من أكبر رواد النهضة الاسلامية في القرن العشرين.
لم يكن مالك بن نبي سوى واحدا من بين العشرات بل المئات من المفكّرين وأصحاب الرّأي الذين عاشوا غرباء في أوطانهم ومجتمعاتهم بسبب آرائهم و أفكارهم، والعقول الضعيفة تخشى من التغيير، ومن جهل شيئا عاداه كما جاء في المثل. ونحن نرى في أيّامنا هذه مع الانتشار الواسع للوسائل المعرفية الحديثة، كيف تتمّ معاملة أصحاب الأفكار والآراء الجريئة.
ونحن في عصرنا هذا، عصر التكنولوجيا والوسائل المعرفية الحديثة التي يفترض فيها أنّها وسيلة لنشر المعرفة ومحاربة كل أنواع الجهل والاستبداد، لكن الذي نراه لا يعكس تماما صورة العصر الذي نحن فيه. وما يؤكّد هذا هو كيفية تعامل النشطاء مع ما يعرض في مواقع التواصل من مواد بما فيها الرثُّ والثّمين والغثُّ و السّمين.
والاختلاف اختلاف في المظهر لا في الجوهر والمضمون، فقد تطوّرت الأساليب المعرفية لكن الذهنيّات والمعاملات القديمة بقيت تراوح مكانها ولم تتغيّر؛ ونحن نرى التهافت الكبير والإقبال اللاّفت للنّظر على المواد التّافهة التي تعرض في بعض الصفحات التي تحظى باهتمام كبير من طرف شريحة واسعة من المتابعين، لكنّهم غوغائيّون سُذّج قوم تُبّع. وفي المقابل نرى بوضوح كيف يعاني أصحاب المواضيع والآراء الجادّة من التهميش المغرض بسبب صورهم وأسمائهم، وليته كان بسبب الآراء التي ينشرونها..

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك