ثلاث حكايات من بيراميدز والإسماعيلي والمقاولون

حسن مدبولى

في كرة القدم، قد تُحسم البطولات بالمهارة والإرادة، لكن في مصر، كثيرًا ما تُحسم أيضًا بقرارات غرف مغلقة تنحاز دومًا لطرف واحد، وبينما يحتفل البعض بإنجازات مصنوعة فوق قواعد مائلة، تدفع أندية أخرى ثمن مواقف رسمية منحازة، لا تزال تتكرر بعناد عبر الأجيال،
ولدينا ثلاث حكايات،من ثلاث لحظات تاريخية، ترسم بدقة صورة منظومة لا تعرف العدالة.

الحكاية الأولى 2025:
بيراميدز وممنوع التأجيل

نبدأ من الحاضر، حين وصل نادي بيراميدز المصرى الجنسية ، والذي يضم أغلبية من اللاعبين المصريين، إلى نهائي بطولة إفريقيا، بعد انتصار على أورلاندو الجنوب إفريقي.
وقد طلب النادي تأجيل مباراة محلية تسبق النهائي بأربعة أيام فقط، حفاظًا على فرصه في التتويج القاري، لكن اتحاد الكرة والرابطة رفضا، وهددا بخصم ست نقاط واعتبار الفريق منسحبًا. المفارقة أن أندية أخرى مدللة كانت قد نالت تسهيلات لا تُحصى بدعوى أنها “تمثل مصر”، وتم تأجيل نصف مبارياتها تقريبًا لنفس السبب الذي رُفض لبيراميدز.
وهذا الرفض لم يكن سوى حلقة جديدة في مسلسل تمييز ممنهج، تكرّر بأشكال مختلفة مع أندية غير محسوبة على “المنظومة”.

الحكاية الثانية 2003:
الإسماعيلي والمهمة المستحيلة

قبل مايزيد عن عشرين عامًا، عاش نادي الإسماعيلي تجربة أكثر قسوة من تجربة بيراميدز ، حين بلغ نهائي دوري أبطال إفريقيا أمام أنيمبا، بعد ملحمة ضد الترجي التونسي، فما واجهه الفريق قبل النهائي كشف بوضوح حجم الفساد والتواطؤ، من إيقافات مفاجئة للاعبين، استدعاء ثلاثي شاب لمعسكر منتخب الشباب بلا مبرر، ورفض لتأجيل أي مباراة رغم ضغط الجدول. كل ذلك، وسط تبريرات إعلامية رخيصة عن أن “المنتخب يمثل مصر، والأندية تمثل نفسها”
ثم جاءت الفضيحة الأكبر عندما تم فرض مباراة للأسماعيلى ضد الزمالك فى الدورى العام وقبل النهائي الافريقى بثلاثة أيام فقط، حيث تم رفض طلب الاسماعيلى بتأجيل المباراة رغم موافقة الزمالك على التأجيل، بينما في نفس العام جرى تأجيل مباريات لأندية تشارك في بطولة عربية برعاية خليجية، في مشهد يكشف بجلاء خضوع المنظومة الكروية للمال والنفوذ.
وفي النهائي، خسر الإسماعيلي في نيجيريا وسط غيابات مؤثرة وحكم كارثي، ثم فاز إيابًا، لكنه خسر الكأس بفارق الأهداف. وبعدها بأسبوعين فقط، قرر الاتحاد تأجيل الدوري كله لثلاثة أشهر من أجل المنتخب، وكأن الإسماعيلي لم يكن يمثل مصر!

الحكاية الرابعة 1984:
المقاولون والمباراة المزدوجة

ويبدو أن جذور التمييز تمتد إلى ما هو أبعد. ففي 1984، بلغ المقاولون العرب نصف نهائي دوري الأبطال الافريقى ، ليصطدم بالأهلي. ورغم أن الفريقين من القاهرة، كان يُطبق وقتها نظام “الهدف خارج الأرض بهدفين”. لذا فإن المقاولون اقترح حلًا عادلًا يتلخص فى إقامة مباراة الذهاب في الإسماعيلية بحضور جماهير الدراويش، ومباراة العودة بالقاهرة، لضمان مبدأ تكافؤ الفرص. لكن الاتحاد المصرى رفض، مدعيًا أن ملعب المقاولون هو القاهرة. كذلك فقد هدد الأهلي بالانسحاب إن نُقلت المباراة للاسماعيلية ، كما وقفت “مافيا الإعلام” كعادتها في صف النادي الأكبر نفوذًا.
المقاولون لجأ للكاف، لكن الاتحاد المصري أصرّ على موقفه. وبضغط من السلطة، تراجع النادي وخضع، ولُعبت المباراتان في القاهرة. انتهت الأولى 0-0 (مباراة الأهلي)، والثانية 1-1 (مباراة المقاولون)، فاستفاد الأهلي من قاعدة “الهدف خارج الأرض” وتأهل، رغم أن كلا اللقاءين أُقيما على ملعبه ووسط جماهيره!

خاتمة: نجاح نادٍ… وسقوط وطن
هذه ليست مجرد وقائع معزولة، بل نماذج صارخة لمنظومة لا تعرف الحياد. قرارات تتكرر، وتحكيم منحاز، وتأجيلات تُمنح لنادٍ وتُمنع عن آخر، وإعلام لا يرى إلا ما يريد.
لذلك حين يُطرح سؤال ساذج عن أسباب الاحتقان، أو يُستغرب انهيار أندية عريقة بينما يصعد نادٍ بعينه بلا عوائق، تكون الإجابة واضحة: هناك من يُمنح الطريق، وهناك من يُمنع حتى من الراحة. وفي النهاية، ينجح فريق… بينما ينهار وطن بأكمله.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك