دمشق وبغداد والتوجه الأمريكي

رحيم حمادي غضبان

في مشهد سياسي غير مسبوق، اجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره السوري أحمد الشرع في العاصمة السعودية الرياض، في خطوة أثارت تساؤلات عميقة حول التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. اللقاء، الذي تم برعاية مباشرة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أسفر عن رفع العقوبات عن سوريا، وإعلان شراكة اقتصادية جديدة بين دمشق ودول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

التحوّل الدراماتيكي في الموقف الأمريكي من دمشق، والذي جاء بعد سنوات من القطيعة، لم يُعد ترتيب الأولويات في المنطقة فحسب، بل دق ناقوس الخطر في بغداد. فالعراق، الذي لطالما كان ساحة رئيسية للنفوذ الأمريكي منذ 2003، يواجه اليوم علامات استفهام كبرى حول مستقبله، ومكانه في المعادلة الإقليمية الجديدة.

هل تخسر بغداد حلفاءها؟

القلق المشروع لدى النخب السياسية والمراقبين في العراق اليوم يتمحور حول سؤال رئيس: هل بدأت واشنطن فعليًا بالتخلي عن العراق لصالح سوريا؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تميل إلى القلق: فواشنطن تبدو وكأنها تُعيد تموضعها في الشرق الأوسط، وتبحث عن شركاء أكثر “انضباطًا”، وأكثر قابلية لتطبيق الإصلاحات، والانخراط في منظومة دولية تحترم القانون وتحارب الإرهاب.

ولعل التعهدات التي أطلقها الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع الرئيس ترامب – حول نبذ العنف، وحلّ المليشيات، وتحقيق التعايش السلمي – لم تكن كلمات دبلوماسية فقط، بل مؤشرات على توجه أمريكي جديد لإعادة ضبط النفوذ الإقليمي من خلال أدوات بديلة.

أين يقف العراق من كل ذلك؟

للأسف، العراق ما يزال غارقًا في أزمات داخلية خانقة:

مشهد سياسي متأزم.

اقتصاد مترنح رغم الثروات.

تفشي الفساد.

انتشار المليشيات وتآكل سلطة الدولة.

هذه العوامل كلها تُضعف ثقة المجتمع الدولي، وتفتح الباب أمام تراجع الدعم الخارجي، ليس من واشنطن فقط، بل من العواصم الخليجية أيضًا التي بدأت ترى في سوريا – ما بعد العقوبات – بيئة أكثر جدوى للاستثمار وإعادة الإعمار.

هل يُترك العراق للفوضى؟ وهل يُقدَّم لإيران على طبق من ذهب؟

هذا السيناريو وارد، لكنه ليس حتميًا.
فالمعادلة ليست صفرية، والمصالح الأمريكية – الخليجية لا تزال ترى في العراق دولة محورية لا يمكن التفريط بها بالكامل لصالح طهران. لكن استمرار الانقسام السياسي، واستحواذ الجماعات المسلحة على القرار السيادي، سيُعجّل بتآكل النفوذ الأمريكي، وقد يُفضي إلى عزلة دولية كاملة.

ماذا يجب أن يفعل العراق؟

الفرصة لم تذهب بعد، لكن الوقت يضيق. العراق مطالب اليوم بخطوات جادة، لا شعارات، من أجل:

ضبط السلاح بيد الدولة فقط.

تحجيم التدخلات الإقليمية، خصوصًا الإيرانية.

إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس المواطنة والكفاءة.

تفعيل شراكة اقتصادية حقيقية مع دول الجوار والمجتمع الدولي.

الخلاصة:

العراق يقف اليوم على مفترق طرق. إما أن يسلك طريق التوازن والاستقرار، فيكون شريكًا في التغيرات الإقليمية الجديدة، أو يظل أسير الفوضى والارتهان الإقليمي، ويُترك على هامش التحولات الكبرى.

في زمن التكتلات والتحولات السريعة، لا مكان للدول المترددة. فإما أن تكون فاعلًا، أو يُعاد تشكيلك وفق إرادة الآخرين.

إرسال التعليق