القمم العربية مابين قمة دمشق وقمة بغداد

رحيم حمادي غضبان
في مارس 2008، وقف الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في قاعة القمة العربية بدمشق، ليلقي خطابًا مختلفًا عن بقية القادة، خطابًا ارتجاليًا حادًا، خارجًا عن النصوص الرسمية والأعراف الدبلوماسية، موجّهًا رسالة مشفرة وصريحة إلى نظرائه من الزعماء العرب. لم تكن كلماته نابعة من عبث، بل حملت رؤية تحذيرية حادة لما ينتظر العالم العربي من مصير مظلم، على يد ذات القوى التي كانت تُعلن صداقتها لهم: أمريكا، والغرب.
أشار القذافي في حديثه إلى العراق، البلد الذي كان يُعدّ حليفًا قويًا للولايات المتحدة في حربه ضد إيران، قبل أن تنقلب عليه وتحتله وتُسقط نظامه وتُعدم قائده صدام حسين. هذا التناقض في السياسات الغربية، حسب القذافي، ليس استثناءً بل نموذجًا، وأن القادة العرب، وإن كانوا اليوم “أصدقاء” للغرب، فإن مصيرهم في النهاية سيكون مشابهًا، إذا ما اقتضت المصالح ذلك.
ما قاله القذافي لم يكن نبوءة بقدر ما كان قراءة سياسية ذكية للمشهد العالمي. وبعد سنوات قليلة، بدأت ما سُمي بـ”الربيع العربي”، الذي بدا وكأنه حركة شعبية تلقائية، لكنه من زاوية أعمق بدا مُدارًا بخطة محكمة، بدأت من تونس، ومرت عبر القاهرة وطرابلس وصنعاء، قبل أن تصل إلى دمشق. الغريب أن أغلب الزعماء الذين حضروا قمة دمشق إما تم إسقاطهم أو اغتيلوا أو أجبروا على التنحي، في مشهد يطابق تمامًا الرؤية التي طرحها القذافي.
استمرت القمم العربية تُعقد بروتوكوليًا، لكن من يحضر لم يعد من كانوا في الصف الأول، بل وجوه جديدة، بعضها غير مؤثر، وبعضها أتى نتيجة تدخلات خارجية. وجاءت قمة بغداد، التي عُقدت في 22 مايو 2025، لتُبرز هذا الانهيار العربي بشكل ساطع، بتمثيل باهت، وحضور شبه رمزي، ومغادرة مفاجئة لأمير قطر خلال انعقاد الجلسة الافتتاحية، وكأنها رسالة واضحة بأن العراق ما زال خاضعًا لعزلة عربية، وأنه ليس شريكًا في المشروع السياسي الإقليمي إلا إذا أعيد تشكيله وفق ما تريده قوى كبرى، على رأسها إسرائيل والولايات المتحدة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل كان خطاب القذافي تحذيرًا مبكرًا لمشروع أمريكي إسرائيلي طويل الأمد لإعادة تشكيل النظام العربي؟ وهل كان الربيع العربي أداة للتفكيك بدلًا من البناء؟ وماذا عن تمثيل القمم العربية، أليس دلالة على تراجع الوزن العربي الجماعي، وانشغال كل دولة بأزماتها الخاصة أو بتحالفاتها الخارجية؟
ما بين قمة دمشق 2008 وقمة بغداد 2025، يظهر جليًا أن العرب، رغم المؤتمرات والقمم، لم يتمكنوا من بلورة موقف جماعي يحمي سيادتهم أو يحفظ دورهم التاريخي. وإذا استمرت هذه الديناميكية، فإن التغيير القادم لن يكون بقرار عربي، بل بإملاء خارجي، والقمم لن تكون أكثر من طقوس سياسية شكلية.



