أدوارالرأي العام

رحيم حمادي غضبان
الرأي العام هو أحد أعمدة الحياة السياسية والاجتماعية في أي مجتمع، وقد شغل اهتمام الفلاسفة والباحثين منذ العصور القديمة وحتى اليوم، كونه القوة الخفية التي يمكن أن تبني أنظمة أو تهدمها. ورغم غياب تعريف موحد للرأي العام، فإن جوهره يتمثل في ذلك التعبير الجماعي عن موقف أو شعور إزاء قضية عامة، وقد يكون هذا التعبير منظّمًا أو عفويًا، كما يحدث في الشارع عند اشتداد الظلم أو الشعور بالحرمان.
من منظور الأنظمة الديمقراطية، يمثل الرأي العام أداة رقابية فاعلة تؤثر في صُنع القرار السياسي. فالسياسي في النظام الديمقراطي يسعى لنيل رضا الجماهير، لأن شرعيته مستمدة منهم، وبالتالي يتأثر بمواقفهم وتفضيلاتهم التي تظهر عبر الانتخابات، وسائل الإعلام، أو حتى الاحتجاجات السلمية. فالرأي العام هنا ليس فقط صوتاً، بل قوة تدفع للتغيير، وتضغط على صانع القرار للاستجابة لمطالب الناس.
أما في الأنظمة الدكتاتورية، فرغم محاولات قمع الرأي العام، إلا أنه يتحول إلى طاقة كامنة تتفجر عندما تتوفر الظروف المناسبة. المثال الأبرز هو ما حدث في تونس عام 2010، عندما أحرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على الظلم والفقر، لتشتعل بعده شرارة ثورة شعبية أسقطت نظامًا دام لعقود. هذا الفعل الفردي عبّر بشكل عميق عن إحباط جماعي، ما يوضح أن سلوكاً شخصيًا قد يجسد رأي أمة كاملة إذا توافر فيه الشعور الجمعي بالمظلومية.
الفلاسفة القدماء ناقشوا مفهوم الرأي العام من زوايا متعددة. أفلاطون، على سبيل المثال، كان حذرًا من جمهور العامة ورآه عرضة للتلاعب، في حين دعا أرسطو إلى إشراك المواطنين في الحكم، معتبرًا أن الحكمة الجماعية يمكن أن تكون أداة للحكم الصالح. في العصر الحديث، تناول جان جاك روسو أهمية “الإرادة العامة” كقوة أعلى من الفرد، وهي أساس العقد الاجتماعي.
أما من وجهة نظر علم الاجتماع، فيرى الباحثون أن الرأي العام يتشكل من خلال التفاعل بين الأفراد داخل المجتمع، تحت تأثير مؤسسات مثل الإعلام، الدين، والتعليم. إميل دوركايم ركّز على فكرة “الوعي الجمعي” الذي يوجه سلوك الأفراد داخل المجتمع، بينما رأى ماكس فيبر أن الجماهير قادرة على خلق “الشرعية” لأي نظام سياسي، أو سحبها منه.
من جانب علم النفس الاجتماعي، نجد أن الرأي العام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم مثل الضغط الاجتماعي، والتطابق، والتأثير الجماعي. يرى علماء النفس أن الأفراد يتأثرون بمحيطهم، وقد يتحول رأي فردي إلى قناعة جماعية عندما يُعبر عنه بجرأة ويجد صداه في الآخرين، كما حدث في بدايات “الربيع العربي”.
خلاصة القول، إن الرأي العام ليس فقط انعكاسًا لما يريده الناس، بل هو قوة دافعة قد تُعيد تشكيل الأنظمة، خاصة عندما تلتقي الإرادة الشعبية مع لحظة مناسبة من الوعي والغضب الجماهيري. وهو في الديمقراطيات وسيلة للحكم الرشيد، وفي الدكتاتوريات وسيلة للتغيير الثوري.
في النهاية، يظل السؤال: هل تستمع الأنظمة لصوت شعوبها قبل أن يتحول من رأي إلى صرخة؟



