الفلسطينيون يغيرون العالم

بلقيس حميد حسن
كتبت مقالا بهذا العنوان بتأريخ 23-10-2023 واليوم أجدني مضطرة للإبقاء على ذات العنوان لأنني سأتناول ذات المبدأ لكن بعد عامين من التغيرات الهائلة التي حصلت لدى شعوب العالم وبعض حكوماته ازاء العدو المحتل وإزاء المقاومة الفلسطينية الباسلة وماحصل في الهيئات والقرارات الدولية التي ادانت نتنياهو ووضعت عقوبات تطالبه المثلول أمام محكمة الجنايات العالمية وتتابع تحركاته العالمية وتستنكرها بحيث ترفض بعض الدول دخوله اليها او حتى مرور طائرته بسمائها..
التغيير العالمي الذي لابد وأن يراه حتى الأعمى هو هذا المد الهائل من شعوب الأرض التي تخرج في اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واستراليا وافريقيا واسيا بأغلب دول العالم عدا( اغلب دول العالم العربي مع الأسف).. هذا المد المتضامن وبكل مشاعره القوية وبروحه ودموعه واصواته العالية الغاضبة . وهذا التهالك على مد يد العون لجياع غزة عبر اساطيل الصمود والحرية التي حملت شخصيات بارزة من العالم يقتدي بها الالاف من البشر ، وهذا التحدي لكثير من البرلمانيين في دول العالم ومواجهة حكوماتهم بموقفهم النبيل المتضامن والصارخ من اجل حياة وحق وحرية الشعب الفلسطيني حتى عادت كلمة فلسطين وعلمها من أحب مايكون لقلوب الشعوب، وحتى قال احدهم وكتب يوما يجب ان يكون علم فلسطين علم كل شعوب العالم لكثرة مااعجبته مواقف وتضحيات اهل غزة..
لقد واجه الشعب الفلسطيني على مدى مايقارب مائة عام شراسة الصهاينة ووحشيتهم حيث بدأت المجازر ضد الشعب الفلسطيني منذ عشرينات القرن الماضي الى اليوم، وكم كان لهذا الشعب من بطولات وتضحيات ومعاناة كالقتل والتهجير وتهديم البيوت وحرق المزارع وسرقة كل مايمكن سرقته من فلسطين، والعالم كان يسمع ويصمت أو يتضامن على خجل، حتى نسى العالم وجود شعب مقتول ووطن مسروق، واصبحت اسرائيل البلد المحترم المحبوب والذي يقضي اغلب الأوروبيين عطلهم الصيفية فيه ورغم أننا لن ننسى تضحيات منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها وقوافل الشهداء على مدى قرن من الزمن إن كان بفلسطين أو بلبنان والأردن وكل مكان بالعالم يوجد به مناضل فلسطيني حيث استعملت اسرائيل أبشع الأساليب بالملاحقة والاغتيال لشخصيات كثيرة منحت النضال الفلسطيني وجها رسميا وأوصلته للمحافل الدولية الهامة، ولكن رغم كل هذه التضحيات العظيمة والجسيمة لم يكن العلم الفلسطيني محبوبا والكوفية الفلسطينية رمزا للنضال في كل انحاء العالم سوى بعد 7 اكتوبر الذي هز العالم وغير مفاهيم البشر وفتح أعينهم على عدوانية وحقارة العدو الصهيوني المحتل وأساليبه البشعة بالتعامل مع اصحاب الحق..
عشت في اوروبا منذ ثلاثة عقود وعملت واختلطت بالناس وكنت أعجب كيف انهم يتعاملون مع القضية الفلسطينية بشكل يقهرني حيث يرون اسرائيل حقاً مقدساً لايجوز المساس به ، وان الفلسطينيين يخربون ذلك الحق ويرهبون السكان وبأنهم لايريدون السلام، وكم حضرت نشاطات وقدمت محاضرات حول الحق الفلسطيني وأوضحت تاريخ الصراع ولكن الأوروبيين كانت لديهم فكرة ثابتة بأن المنظمات الفلسطينية لاترقى الى درجة مناضلين وليس لديهم الحق بما يفعلون وكنت في كل مرة اتوجع واصاب بخيبة أمل حيث أجد أن المتضامنين مع القضية هم النخبة القليلة جدا..
اليوم أضحك وأبكي فرحة وانا أرى الأعلام الفلسطينية ومئات الالاف من المتظاهرين الصارخين غضبا معنا على اسرائيل والدموع التي تذرف على أهل غزة وأطفالها وأراملها وشبابها وكبارها ونسائها ، أراهم صاروا يبحثون بتاريخ الصراع ويعرفون المجازر واحدة واحدة ويحاولون التفوق علينا بمعرفة التأريخ المخزي للصهاينة وكأنهم لم يسمعوا بهذا من قبل ..
لقد غير أهل فلسطين باكتوبر العظيم أخلاق شباب الغرب وجعلوهم يهتمون بقضية انسانية نبيلة وعظيمة وهي الدفاع عن الحق، حيث حملوا قضية فلسطين وهتفوا بها في كل الساحات والمنابر والبرلمانات وامام السفارات وكأنهم يستيقظون للتو من غفوة كانت الهتهم بالعبث والملاهي والمظاهر، فاصبح المظهر الحلو علم وكوفية مناضلة تعود لتراث شعب له بطولات هائلة وعجيبة لم يعرفوا مثلها ابداً ..
مهما كانت التضحيات كبيرة وعشرات الآلاف من الضحايا والأطفال والصحفيين والمهنيين الصحيين وغيرهم ومهما دمرت الحضارة والبناء وكل شئ في غزة، لكن مجرد نظرة لما حصل لشعوب العالم تعرف أن ماحصل هو النصر المؤزر، وان ماحصل في سبعة اكتوبر كان ضرورة ملحّة جذبت انظار العالم التي لم تلتفت لهذا الشعب المقهور يوما لتنصفه، كانت ضرورة لتفضح اسطورة اسرائيل وسرديتها الكاذبة،كانت ضرورة تكتب التأريخ والنضال والمجازر التي حصلت للشعب من جديد بعد ان طواها النسيان لأجيال..
هناك من يقول ان التضحيات اكثر بكثير من اللازم واقول له مواجهة المحتلين بكل تاريخ الاحتلالات حصدت ملايين الارواح من اجل النصر والحرية والامثلة لاتحصى واقربها الينا هي تضحيات شعب الجزائر وفيتنام ضد المحتل التي تجاوزت المليون ونصف في كل منهما..
لابد للدماء الفلسطينية من أن تثمر يوما خاصة وانها الآن بدأ طلعها ووضعت لها أساسا في قلوب كل شعوب الأرض التي لن تنساها ابدا…



