بين سوء التربية وضعف الرقابة: ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية… صرخة صامتة أم فوضى متعمدة؟

بين سوء التربية وضعف الرقابة: ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية… صرخة صامتة أم فوضى متعمدة؟

مع نهاية كل سنة دراسية، يتكرر مشهد بات مألوفا وصادما في آنٍ واحد: تلاميذ الأطوار الثلاثة (الابتدائي، المتوسط، والثانوي) يمزقون كتبهم وكراريسهم ويرمونها في الشوارع والأزقة، وكأنهم يعلنون “تحررهم” من عبء الدراسة. هذا السلوك غير الحضاري يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الكامنة وراءه، ودلالاته النفسية والتربوية، والمسؤولية المشتركة في صناعته.

في ولايتي الاغواط والجلفة على سبيل المثال صار هذا المشهد غير المألوف يتكرر مع نهاية كل عام دراسي. أوراق ممزقة تغطي الأرصفة، كتب ممزقة تتحول إلى نفايات، وتلاميذ يضحكون وهم يوثقون هذه الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي. البعض يعتبره “تنفيسا” عن ضغوط عام دراسي طويل، لكن هل يبرر ذلك حجم التخريب واللامبالاة؟

لا يمكن إنكار أن غرس قيم احترام الكتاب والعلم تبدأ من الأسرة. حين لا يربى الطفل على تقديس العلم والاهتمام بأدواته، يصبح تمزيق الكتب سلوكا عاديا لا يثير لديه أي إحساس بالذنب. التربية الأسرية هنا تلعب الدور الأول، فالأطفال الذين نشؤوا على أن الكتاب صديق ومصدر نور لا يمكن أن يسيئوا إليه مهما كانت الضغوط..

انشغال الأولياء بمشاكلهم الحياتية والمعيشية يجعل رقابتهم لأبنائهم سطحية. كثير منهم لا يعلمون بما يقوم به أبناؤهم في آخر يوم من السنة الدراسية، ولا يدركون أن هذه السلوكيات قد تتحول لاحقا إلى أنماط تمرد أو استهتار بالقيم المجتمعية.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال الضغط الكبير الذي يعيشه التلميذ داخل المؤسسات التعليمية. البرامج المكثفة، كثرة الامتحانات، والجو المشحون داخل بعض المدارس، كلها عوامل تجعل من نهاية العام الدراسي “فرصة انتقام” من كل ما يرتبط بالمؤسسة التربوية.

في كثير من المدارس، يغيب دور التوجيه والارشاد النفسي، أو يكون شكليا. كما أن بعض الأساتذة، بدل أن يساهموا في تهذيب سلوك التلاميذ، يزيدون من حدة الضغط عليهم من خلال أساليب قاسية في التعامل. غياب علاقة إنسانية صحية بين الأستاذ والتلميذ تخلق فجوة تترجم في أحيان كثيرة إلى سلوك عدائي ضد المدرسة وكل رموزها.

لا يستبعد أن يكون هذا السلوك مؤشرا على حالات نفسية غير مشخّصة لدى بعض التلاميذ: إحباط، قلق، اكتئاب، أو حتى عنف مكبوت. التلميذ الذي يمزق كتابه قد لا يكره العلم بقدر ما يكره المعاناة المرتبطة به في بيئة غير محفزة.

ظاهرة تمزيق الكتب ليست فقط سلوكا لحظيا، بل مؤشر على خلل عميق في المنظومة التربوية والاجتماعية. معالجة هذه الظاهرة تستوجب تعاونا من الأسرة، المدرسة، المجتمع، والإعلام لبناء جيل يحترم أدوات العلم كما يحترم ذاته ومستقبله… غانم صاروط

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك