إزدواجية المعايير من الملاعب إلى المواقف المصيرية!!
حسن مدبولى
قد لا يبدو العنوان غريبًا إذا ربطناه بكرة القدم المصرية وحدها ، لكن الواقع أن المعضلات التي نعيشها، من كوارث ومآسٍ إنسانية، لا تترك لنا متسعًا للحديث إلا في سياق أوسع من الترفيه والرياضة، ونحو ما هو جوهري ومصيرى وعقلانى،
فكرة القدم، في السياق المصري، لا تبدو مجرد لعبة، بل إنها تحوّلت إلى أداة لإشغال الجماهير، وتوجيه وعيهم، بل وأحيانًا إلى وسيلة لتطبيع الفساد وتغليف الانحياز كأنه ولاء مشروع. فحين يصر البعض على تبرير كل انحراف رياضي أو مؤسسي بدعوى “الانتماء للنادي”، ويتفننون في تفسير الأخطاء وتجاهل الحقائق، يفقد الحديث عن الفساد العام أو ازدواجية المعايير العالمية مصداقيته. كيف يمكن لمن يبرر الخطأ من أجل مباراة أو فريق، أن يطالب بالعدالة في القضايا الكبرى؟
والمشكلة لا تقتصر على الرياضة. نحن أمام حالة عامة من الانحياز العاطفي، والتناقض الصارخ في الحكم على الأمور. انظر مثلًا إلى ردود الفعل على ما يحدث في سوريا: عندما تحاول قيادة سورية جديدة إعادة ترتيب أولوياتها بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار، تنهال عليها الاتهامات والهتافات الغاضبة من بعض المصريين، الذين يرون في مجرد النوايا خطرًا يستوجب الإدانة.
لكن هؤلاء أنفسهم قد يصمتون، أو حتى يبررون، علاقات سياسية واقتصادية قائمة منذ سنوات بين دولتهم وإسرائيل. بل إن دولًا مجاورة مثل السودان، التي اتُّهمت سابقًا بالتشدد، دخلت في علاقات رسمية مع إسرائيل دون أن تثير نفس القدر من الغضب الشعبي أو الإعلامي، لا في مصر ولا في دول عربية أخرى.
هنا تبرز المفارقة: لماذا نحاكم الآخرين على نواياهم، بينما نتجاهل أفعالنا الواضحة؟ ولماذا يغيب صوت الاحتجاج على قرارات رسمية في بعض الدول، بينما يُستثار الرأي العام ضد جهات أخرى فقط لأنها “قد تفعل” شيئًا مشابهًا؟
في النهاية، المشكلة ليست في كرة القدم، ولا في السياسة الخارجية وحدها. بل في المعايير التي نُفصّلها حسب الهوى، والمواقف التي نتبناها بحسب ما نحب ونكره، لا بحسب ما هو عادل وصائب. نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية، لا لمواقف الآخرين، بل لمعاييرنا نحن أولًا.



إرسال التعليق