اخر الاخبار

صفقات تُعقد على أنقاض غزة

خورشيد الحسين

ثمة ما هو أبشع من الحرب: أن تُقصف وأنت غائبٌ عن الجدل. أن يُمحى حيّك من الخارطة ولا تُذكر في البيانات. هذا تمامًا ما يحدث لغزة اليوم. العدوان مستمر، والمجازر يومية، ولكن في المقابل، العالم العربي الرسمي يمضي في طريقه: يعقد الصفقات، يوقّع مذكرات التفاهم، ويعزّز التحالفات… كأن فلسطين لم تكن.

لست ممن يُفاجَأون كثيرًا. نعرف أين وصلت الأمور منذ أن تحوّلت القضية الفلسطينية إلى ملف أمني، ثم إلى ورقة تفاوض، ثم إلى إحراج يجب التخلص منه. لكن الفارق هذه المرة أن التخلّي يجري بلا ضجيج، وبلا حتى ذريعة. لم تعد هناك حاجة لتبرير الصمت. في زمن “الحكمة الواقعية”، باتت المبادئ ترفًا، والمواقف عبئًا.

في جولة ترامب الخليجية الأخيرة، لم يُذكر اسم غزة. لا إدانة، لا تعاطف، لا حتى مجاملة لغوية. كأن القطاع المُحاصر ليس تحت النار. كأنّ آلاف القتلى لا يستحقون سطرًا. لكن الرسالة واضحة: غزة لم تعد على طاولة التفاوض، ولا فلسطين على جدول التحالف. ثمة ما هو أهم: إيران، الصين، الاقتصاد، الاستقرار.

ولعل الأخطر من كل ذلك، ما أسميه “التطبيع الزاحف”؛ ذلك الذي لا يأتي في بيانات رسمية، بل في الصفقات التكنولوجية، وفي التعاون الدفاعي، وفي “الذكاء الاصطناعي الأمني”، وفي فتح الأجواء والموانئ، وفي تبادل السلع والزيارات غير المعلنة. إنه تطبيع بلا إعلان، وتخلٍ بلا اعتراف.

أعرف أن هذا الكلام لا يُرضي الواقعيين الجدد، أولئك الذين يبرّرون كل شيء بلغة “المصلحة”. لكن، أي مصلحة تُبنى على نسيان شعب تحت القصف؟ وأي استقرار يُرجى من شراكات تتجاهل أصل الصراع في المنطقة؟
كيف نصدّق أن ما يُبنى فوق الركام سيكون قاعدة سلام؟

الحق أن فلسطين لم تخرج من التاريخ، بل أُخرجت قسرًا من الحسابات. لكنها ستعود. لا لأن الأنظمة سترحم، بل لأن الشعوب لم تنسَ، ولأن الاحتلال لا يستقر، ولأن الدم لا يُمحى بالمذكرات الصحفية.

ربما ما نعيشه اليوم ليس نهاية الصراع، بل نهايات الوهم: وهم “السلام مقابل السلام”، ووهم “التطبيع مقابل التقنية”، ووهم “الاقتصاد أولًا”.
فلا أمن من دون عدالة، ولا عدالة من دون فلسطين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك