الأهداف الخفية لـ جولة دونالد ترامب الخليجية
جولة ترامب الخليجية: اختبار نوايا أم إعادة تموضع؟
خورشيد الحسين
زيارة محمّلة بالرسائل والتحوّطات: بين الملفات الساخنة والصفقات المعلنة، كيف يقرأ ترامب خارطة الخليج؟
في زيارة رسمية هي الأولى لكنها محمّلة بالدلالات، يهبط دونالد ترامب في الخليج من بوابة السعودية، مثيرًا تساؤلات تتجاوز مجرّد المجاملات البروتوكولية. من الرياض إلى أبو ظبي فالدوحة، تُفتح ملفات متشابكة: هل يحمل ترامب عرضًا ما لوقف العدوان على غزة؟ وهل سيغامر بإعلان دعم “حلّ الدولتين” لإرضاء حلفائه الجدد؟ وماذا عن العلاقة المتأرجحة مع نتنياهو، وهل يُظهر للقيادات الخليجية تململًا صامتًا من سياساته؟
الزيارة تأتي في لحظة إقليمية حرجة: الصراع السوري يدخل طور إعادة الترسيم، وأنقرة تُحكم قبضتها على مفاتيح دمشق. إيران تُراقب، ومسقط تهمس في الكواليس. أما صفقات التسلّح واتفاقات الشراكة الأمنية، فتبقى الورقة الأثيرة في يد ترامب لإعادة صياغة “تحالف الحماية” على طريقته القديمة–الجديدة.
وفي الخلفية، تطفو على السطح مفارقات لافتة: طائرة فاخرة كهدية قطرية، وغياب مسقط عن الجدول، وتردد في استخدام مصطلح “الخليج العربي” اتقاءً لغضب طهران… كلها إشارات تقول شيئًا أعمق: جولة ترامب ليست بريئة، ولا عابرة. إنها محاولة مبكرة لفرض إيقاعه الخاص على رقعة شطرنج تتغيّر ملامحها بسرعة، قبل أن تحسمها صناديق الاقتراع الأميركية.
التحالف مقابل الحماية… من جديد
كل المؤشرات تُظهر أن ترامب يسعى إلى ترميم تحالفه التقليدي مع الخليج عبر بوابة صفقات التسلّح والشراكة الأمنية. ومن المرجّح أن تشهد الرياض، وربما أبو ظبي، الإعلان عن اتفاقات عسكرية جديدة. لكن هذا المسار يصطدم بحذر خليجي من الانجرار إلى تحالف غير مشروط، خصوصًا في ظل التباين الأميركي–الخليجي حول إيران وفلسطين.
الملف الفلسطيني: تكتيك أم مراجعة؟
وسط تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كان ترامب سيُصدر موقفًا يدعم وقف الحرب أو يؤيّد “حل الدولتين”. مثل هذا الإعلان، إن حصل، سيشكّل تحوّلًا رمزيًا لافتًا، لكنه لن يُقنع أحدًا ما لم يُرفق بتعهّدات عملية تُلزم “إسرائيل”، وهو ما لا يبدو مرجّحًا في ظل ارتباط ترامب الوثيق باليمين الصهيوني.
سوريا ومفاتيح التسوية
الحديث عن لقاءات سورية مفترضة، سواء مع شخصيات من النظام السابق أو من المعارضة، يعكس رغبة في التأسيس لمعادلة جديدة تُقصي إيران وتُدخل أنقرة والدوحة من بوابة دمشق. أما الرياض وأبو ظبي، فقد تبحثان عن موطئ قدم في هذه المعادلة، في ظل ما يُشبه إعادة رسم خريطة النفوذ السوري برعاية إقليمية ودولية مزدوجة.
موقف رمزي من نتنياهو؟
في حال وجّه ترامب إشارات تململ من سلوك نتنياهو، فسيُنظر إلى ذلك كمغازلة محسوبة للخليج، ورسالة ضمنية إلى تل أبيب بأنّ دعم واشنطن ليس شيكًا مفتوحًا. إلا أن مثل هذا التلميح، إن حدث، سيكون تكتيكيًا لا أكثر، ما لم يتبعه تغيير فعلي في خطاب ترامب تجاه الصراع العربي–الصهيوني.
من الخليج إلى الخليج
موقف ترامب من تسمية “الخليج العربي” سيكون بدوره مقياسًا لاستعداده لمجاراة الحساسيات العربية في مقابل التفاوض مع طهران. استخدام المصطلح العربي يرضي دول الخليج، لكن الامتناع عنه يُرضي إيران، وترامب معروف بإتقانه لعبة التوازن بين الخصمين، دون الالتزام الفعلي تجاه أي طرف.
دور مسقط، وهديّة قطر
غياب مسقط عن جدول الزيارة لا يلغي ثقلها الدبلوماسي. فسلطنة عمان لعبت دورًا محوريًا في العديد من الوساطات، من الملف النووي إلى هدنة اليمن. أما “الهدية القطرية” –طائرة فاخرة تبلغ قيمتها 400 مليون دولار– فقد تثير الجدل داخليًا في أميركا، لكنها في السياق الخليجي تحمل دلالات سياسية عميقة، في لحظة إقليمية دقيقة.
لا زيارة بريئة
جولة ترامب، بمضامينها ورسائلها، ليست زيارة بروتوكولية. إنها عرض قوة سياسي، ومناورة في قلب الصراع الإقليمي، ومحاولة مبكرة لاستعادة الحضور الأميركي بصيغة جديدة: أقلّ التزامًا وأكثر صفقات. وهي أيضًا تذكير بأنّ ترامب يملك القدرة على التأثير في توازنات الشرق الأوسط…



