ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الثّالث (8)

رشيد مصباح (فوزي)
الجــــزائر

*
مضى على مكوثي بالمصحّة تقريبا شهر، وبفضل لله ثم بفضل الجهد الجبّار الذي بذله والدي، جاءت نتائج الفحص بعده سلبية. وطُلب منّي أن اتهيّأ لمغادرة المصحّة، وجاءني الطبيب وأجرى عليّ بعض الفحوصات و ناولني ملفّا كاملا ومعه الوصفة الطبيّة.. وقدّمت لي العيادة الأدوية و بعض النصائح الضّروريّة والارشادات.. ووجدّتني في الأخير في صالة البيت أمام الوالدة المسكينة رحمة الله تذرف دموع الشوق والغبطة والفرح من عينيها الهائمتين.
الوالشباب.. والرّعاية التي حظيت ُ بها خلال فترة العلاج.. والرّاحة الكبيرة التي نلتها والأجواء التي خيّمت، والظروف والزّهو و الشباب … كل ذلك كان له أثره في نفسيّتي وعجّل بشفائي من المرض الخطير، و أنساني فيه وفي الدراسة، فلم أعد راغبا في العودة إلى المركز لمواصلة التكوين.
كانت السنة على وشك النهاية، ولم يتبقَّ منها سوى بضعة شهور وأحصل بعدها على الشهادة. ولكن كرهي للإدارة ونظامها الصّارم ومعها الحياة الرّتيبة المملّة.. كل ذلك قتل فيّ الرّغبة، واعتبرتُ أن أمر التكوين قد انتهى وصار من الماضي، ولكن أبي كان له رأيٌ آخر؛ فقبل انتهاء الإجازة التي منحنيها الطّبيب بسويعات معدودة، صدرت الأوامر من ”الشرطي“ والدي -رحمة الله عليه- بالعودة إلى المركز ومواصلة التكوين الإداري، ولم يترك لي أيّة فرصة لإقناعه.
كان والدي يحب النّظام ويعشقه، حبّه للأناقة والجمال؛ كونه ”شرطيّ“ كان قد تربّى ونشأ وترعرع فيه. فصارت حياته كلّها عبارة عن نظام وصرامة. لذلك لم يكن من السهل إقناعه بالعدول عن رأيه.
الحقيقة هو أن مشكلتي لم تكن مع المركز ولا مع الإدارة، ولكن تولّدت لديّ رغبة شديدة في التملّص من كل ما له علاقة بالمسئولية والقيود المهنيّة والاجتماعية. وكما أن للأمر علاقة أيضا بتحسّن أحوالي النفسية، إلى جانب الأحوال الجسديّة أوالبدنية، فقد عادت إليّ ثقتي بنفسي ولم أشعر كيف تخلّصتُ من ظاهرة ذلك الخجل اللّعين الذي ظلّ يطاردني، حتى إنّه لم يعد له سلطان عليّ.

إرسال التعليق