أغبى محتال في تاريخ سباقات الخيل.

في أحد أكثر الفصول غرابة في عالم سباقات الخيول، كاد رجل وحصانه أن يخلدا في ذاكرة التاريخ، ليس كأبطال رياضيين، بل كأبطال في واحدة من أطرف وأكثر الجرائم احتيالًا في القرن العشرين… بل وربما في القرن الحادي والعشرين أيضاً.

كان اسم الحصان “فاين كوتون” (Fine Cotton)، وأما صاحبه فهو رجل يُدعى “جون جيليسباي” (John Gillespie).

“جون” كان رجلاً ثرياً، يبحث عن ذاته وسط خيبات متتالية. خسر أمواله في التجارة، وفشل في الزراعة، ولم يفلح حتى في المقامرة على سباقات الخيل.

وذات يوم، وبينما هو في مضمار سباق، وقعت عيناه على “فاين كوتون”؛ حصان نحيل، بطيء، مهمل، لم يحقق فوزًا في حياته. حين سأل عنه، قيل له بوضوح: “ذلك الحصان لا يُراهن عليه أحد، فهو خاسر بالفطرة”.

ورغم ذلك، قرر “جون” أن يراهن عليه. وضع مبلغًا ضئيلًا، لكن لأن أحدًا لم يراهن على الحصان سواه، كانت نسبة العائد مغرية: واحد إلى عشرين. أي أن فوز الحصان كان يعني ربحًا فوريًا بقيمة ربع مليون دولار.

كانت لديه قناعة غامضة أن “فاين كوتون” سيفوز هذه المرة. لكن الواقع لم يختلف عن التوقعات، وخسر الحصان السباق كعادته، وجاء في المركز الأخير. خسر “جون” ماله، لكن ربح فكرة مجنونة.

فكر متسائلًا: “ماذا لو فاز؟ كم كنت سأربح؟” ومن هنا بدأت القصة.

في صباح اليوم التالي، ذهب “جون” إلى صاحب “فاين كوتون” واشتراه. ظن أنه سيُحدث تغييرًا. بدأ في تغذية الحصان وتدريبه، لكنه سرعان ما أدرك الحقيقة المؤلمة: الحصان كسول بطبيعته. يأكل وينام فقط، لا يحمل أي طموح للمنافسة.

وهنا ولدت لديه فكرة أخرى، أكثر جرأة. فكرة لو كُتب لها النجاح، لجنى منها ما يزيد عن مليون ونصف دولار… وكان ذلك في عام 1984، حين كان هذا المبلغ يعادل ثروة ضخمة، توازي اليوم ما بين مئة إلى مئة وخمسين مليون دولار.

قرر “جون” أن يفوز بالسباق القادم. لكن ليس بـ”فاين كوتون” الحقيقي.

توجه فورًا إلى إدارة السباق، وسجّل “فاين كوتون” كحصانه الرسمي، وتم فحصه وتسجيل مواصفاته بدقة. ثم عاد به إلى الإسطبل، وبدأ البحث عن بديل.

راح يفتش في مزارع الخيول، يبحث عن حصان قوي، سريع، يشبه “فاين كوتون” في الملامح. ووجد ضالته بالفعل. حصان يشبه “فاين كوتون” إلى درجة مذهلة، حتى أنه اضطر إلى تجديل ذيل الحصان الحقيقي ليميز بينهما.

بعد ذلك، استدان مالاً من مرابين خطرين، ممن يقرضون بفوائد فاحشة، وأي محاولة للتهرب منهم قد تعني الأذى، بل وربما القتل.

راهن “جون” بكل المال على “فاين كوتون”… الذي لم يكن “فاين كوتون” فعلاً.

وحده هو من راهن على الحصان، وكانت نسبة الربح واحد إلى ثلاثة وثلاثين. أي أن المليون ونصف كان قاب قوسين أو أدنى من جيبه.

في الليلة السابقة للسباق، نام “جون” متخيلًا الثراء، لكنه استيقظ على كابوس جديد. حين فتح باب الإسطبل، وجد الحصان البديل وقد فرَّ هاربًا وقفز السور، واختفى وسط الغابات.

قاد سيارته بجنون يبحث عنه في الأدغال الأسترالية، وقضى اليوم كله يفتش. وفي النهاية، وجده جريحًا، لا يستطيع الحراك.

استدعى طبيبًا بيطريًا، وأكد له الطبيب أن الحصان سيشفى، لكن بعد شهر من العلاج والراحة.

وكان السباق بعد يومين!

هرع “جون” في هلع إلى مزارع الخيول من جديد، لكن لم يجد حصانًا يشبه “فاين كوتون” بنفس الدقة. وبدافع اليأس، اشترى حصانًا يُدعى “بولد بيرسوناليتي” (Bold Personality)، فيه شبه بسيط فقط من الحصان الأصلي.

لكن حين عاد به، اكتشف الكارثة: لونه أفتح، وله علامات مختلفة، منها بقعة بيضاء على الجبهة، وسواران أبيضان على قدميه الأماميتين بدلًا من الخلفيتين. الفارق واضح جدًا، ولا يمكن إخفاؤه.

فكر “جون” سريعًا، وذهب إلى المدينة، واشترى عشرات من علب صبغة الشعر النسائية. صبغ بها الحصان طوال الليل، وعند الفجر، استيقظ ليجد لون الحصان قد تحول إلى… البرتقالي!

فشعر الخيل ليس كشعر البشر، والصبغة تفاعلت معه بطريقة غريبة.

فزع “جون”، فاشترى علب سبراي سيارات وبدأ في طلائه من جديد. غطى البقع البيضاء، ولفّ الأربطة على أقدام الحصان ليخفي العلامات الأصلية.

وجاء يوم السباق.

سحب “جون” الحصان “بولد” وقدمه للجنة. راقبهم بقلق وهم يفحصونه، ثم أشاروا إليه بالقبول.

مرّت أخطر لحظة بسلام. وقف الخيّالة بخيولهم، ورفع الحكم المسدس، وانطلقت الرصاصة إيذانًا ببداية السباق.

وانطلق “بولد” كالسهم.

أذهل الجميع بسرعته. كيف لحصان بائس كـ”فاين كوتون” أن يركض بهذه القوة؟!

اقترب “بولد” من المتصدر، وسبقه في لحظة خاطفة، وحقق الفوز.

صرخ “جون” منتشيًا، فقد أصبح مليونيرًا في لحظة واحدة، بحيلة عبقرية!

لكن الفرحة لم تدم.

تعرّق الحصان من الجهد، وبدأ الطلاء يذوب عن جسده… عاد اللون البرتقالي للظهور، وتفككت الأربطة، وانكشفت العلامات الأصلية.

تجمهر الناس، وعلت الصيحات: “هذا ليس فاين كوتون!”

أُبلغت الشرطة، وأُلقي القبض على “جون”. وصودر الحصانان، وأُحيل إلى المحاكمة.

حُكم على “جون” بالسجن ثلاث سنوات، ومنع من المشاركة في السباقات مدى الحياة.

أما الحصان “بولد”، فقد استعانت به الشرطة في دورياتها. وأما “فاين كوتون”، فظل كسولًا كما كان، واحتفظت به الشرطة في الإسطبلات، تعتني به حتى مات عام 2008 عن عمر ناهز 32 عامًا.

وأما “جون”، فخرج من السجن، وسدّد ديونه، وحقق ثراءً حقيقيًا هذه المرة، لكن عبر طريق مختلف… فوسائل الإعلام تسابقت لاستضافته في لقاءات مدفوعة الأجر، فتحوّل إلى شخصية مشهورة.

ولا تزال قصته، المعروفة باسم “قضية فاين كوتون” (Fine Cotton Affair)، تُروى حتى اليوم في أستراليا، وتُدرّس كحالة كلاسيكية في الاحتيال الرياضي.

ويظل “جون” في ذاكرة الأستراليين… أغبى محتال في تاريخ سباقات الخيل.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك