ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الثّالث (7)
رشيد مصباح (فوزي)
الجــــزائر
*
الألم يتزايد بسبب استعمالي عشبة غريبة قمتُ بتجريبها لأوّل مرّة، ألم فضيع لا يطيقه ابن امرأة. ومن كثرة الألم رأيتُ الموت بأمّ عينيّ، لا شكّ في ذلك. ثم صحوتُ بعدها وقد ذهب الألم؛ وقد ذكّرني هذا بقصّتي الطّويلة مع المرض، والمستشفيات التي رقدتُ فيها وكانت البداية بمصحّة (سوق أهراس)”السّاناتوريوم“[Sanatorium].
بصراحة تحضرني الذكريات وأنا في شوق إليها وإلى الماضي الجميل، وتلك الأيام السعيدة التي قضيتها في المصحّة وأنا في ريعان الشباب، حتى وإن كنتُ بين مرضى يئنّون بالليل والنهار، ولكنّي لم أشعر بالألم، ولا حتى بأثر النزيف الذي كان سببا في دخولي إلى مستشفى (سدراتة) ثم من بعده إلى ”السّاناتوريوم“ بسوق أهراس.
و استفقنا في أحد الأيّام على خبر وفاة أحد من بيننا، ولم أتأثّر بالخبر؛ كنتُ على يقين من أنّني سأتغلّب على المرض اللّعين، حتما ومن دون شك. لقد سبق لي وأن تغلّبتُ عليه بذات المصحّة وأنا طفل في السّادسة من عمري، وكيف لا أتغلّب عليه وأنا شاب يافع في مقتبل العمر؟.
المذياع الصّغير الذي ظلّ يحملني معه إلى عوالم خرافية، على إيقاع الفلكلور والأغاني الغربية، من التي كان يبثّها في البكور وفي اللّيل الطويل، ما تزال بذهني ولم تبرح مخيّلتي.
جمال المكان الذي يطل على غابة من الأشجار التي استوطنها أنواع العصافير التي لم تتوقّف عن التغريد صباح مساء.. النّسيم العليل الذي يتسلّل عبر الأبواب والنوافذ ونحن في فصل الرّبيع.. كل ذلك أضفى جوّا مشاعريّا، وزادني أنا بالأخص رغبة في التماثل إلى الشفاء.
والدي الذي ظلّ يتعهّدني بزيّاراته الفجائيّة المتكرّرة، والوجبات الساخنة التي كان يحرص على إحضارها في الوقت المناسب، والمتمثّلة في الحليب الطّازج وقطع اللّحم المشوي؛ ”الآن فحسب أحسستُ بمدى ما عانى المرحوم والدي رحمة الله عليه.“
زيارة الأقارب لي في كل مرّة، وبالأخص عمّي الأكبر – رحمة الله عليه – الذي أكنّ إليه كل المحبّة والاحترام؛ لما رأيته فيه من رزانة ورباطة جأش ووقار كان يتميز به. أدخل على قلبي البهجة والسّرور و أنساني في المرض اللّعين.
تعرّفتُ على شخص ستّيني من ولاية مجاورة، كان يرقد بجواري. وكان هذا الشيخ المتواضع مرحا بعض الشيء، هكذا كنتُ أراه على الأقل. وكان لا يفوّت فرصة الفراغ من وجبة العشاء ليروي شيئا عن مغامراته العجيبة إبّان الحرب الكونية الثانية، حين تم تجنيده في صفوف الجيش الفرنسي لأداء الخدمة الوطنية. وكان يحرص أشدّ الحرص على استعمال بعض الجمل بفرنسية ”مُدچْدچْة“، كما نقول بالعاميّة. ومن بين ما سمعته يقول جملة:
”C’est la femme de lui“. و لكنّني هضمتها ولم أبدِ شيئا؛ كنتُ أجد في كلامه نوعا من التسلية.
وأذكر أنّه كان يُطلب منّا في كل صباح التنخّم في علب صغيرة ”Crachoirs“ لأجل فحص البكتيريا المسؤولة عن مرض السل وما يسمّى بـ”BK“ عصيات كوخ. فكانت المصحّة كلّها تردّد معنا محاولات التنخّم والسّعال الشّديد.
يتبع ..



إرسال التعليق