القرار الأميركي تجاه المنطقة: هندسة ما بعد الحرب وضبط حضور الحركات الإسلاميّة وعلى رأسها الإخوان

ازهر عبدالله طوالبه
تطرح خطوة الإدارة الأميركية نحو تصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً أسئلة معقّدة تتجاوز حدود الجماعة نفسها، وتمتد إلى طبيعة التفاعل بين القرار الخارجي وبُنى السياسة الداخلية في المنطقة العربية. فمن منظور تحليل سياسي مقارن، لا يمكن التعامل مع الجماعة باعتبارها كيانًا منزّهًا عن النقد أو بريئًا من الإشكالات البنيوية التي رافقت مشروعها التنظيمي والسياسي، خصوصًا في ما يتعلق بالطابع العابر للحدود وطموحات «التمكين» التي اصطدمت بواقع الدولة الوطنية. ومع ذلك، فإنّ قبول توصيف خارجي لفاعل داخلي، دون تأسيس قانوني وطني مستقل، يخلق إشكالًا يتعلق بسيادة القرار السياسي وتحديد أولويات الأمن الوطني وفق مقاربات محلية لا وفق اعتبارات قوى دولية ذات مصالح ثابتة.
من الناحية التحليلية، لا يشكّل القرار الأميركي قطيعة مع واقع قائم بقدر ما يمثّل إطارًا جديدًا لإعادة توزيع الأوزان السياسية لتنظيم كان قد شهد تآكلًا في قدرته على الفعل منذ ما بعد موجة الربيع العربي. فالجماعة تعرّضت إلى انهيار في هياكلها التنظيمية وتراجع في قاعدتها الاجتماعية وتشتّت في قياداتها بين أجنحة متنازعة في الداخل والخارج. قرارٌ كهذا يعيد فتح ملف الإخوان في لحظة كانت فيها الجماعة تفقد حضورها الواقعي، ويمنحها—ولو بصورة مفارِقة—مساحة رمزية كان أثرها قد تلاشى.
غير أنّ القراءة الأكثر عمقًا للقرار تقتضي النظر إليه كجزء من بنية المصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، لا بوصفه ردّ فعل على نشاط داخلي محدود. فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن الكيان الصهيوني باعتباره ركيزة رئيسية في سياستها الإقليمية، ومكوّناً ثابتًا لا يخضع للمساومة. وفي هذا السياق، يصبح استهداف جماعة الإخوان امتدادًا لمحاولة منهجية لتقويض أي ظاهرة اجتماعية أو فكرية أو تنظيمية يمكن أن تُفسَّر—ضمن بيئات معينة—كحاضنة غير مباشرة للمقاومة. ورغم أنّ الإخوان كتنظيم لم يشكّلوا، في معظم الدول، طرفًا مسلّحًا، فإن فروعهم وخطابهم وبعض امتداداتهم الاجتماعية ارتبطت تاريخيًا بدعمٍ معنوي أو سياسي لتيارات المقاومة، سواء من خلال البنية الاجتماعية المحافظة أو من خلال مؤسسات العمل العام التي وفّرت فضاءً للتعبئة الشعبية. وضمن هذا الفهم، يصبح القرار الأميركي جزءًا من جهد أوسع لإعادة هندسة الحقل السياسي العربي بما يحدّ من أي إمكانية لظهور روافد اجتماعية تمنح المقاومة شرعية أو بيئة حاضنة، وهو ما يخدم بصورة مباشرة استراتيجيات الحفاظ على تفوّق الكيان المحتل وحصانته الإقليمية.
وعلى مستوى البنية التنظيمية للجماعة، يستهدف القرار الأميركي الخصائص التي شكّلت تاريخيًا مصدر قوة الإخوان: شبكة عابرة للحدود، موارد مالية قادمة من الخارج، وحركة قيادية بين المراكز المختلفة للتنظيم. ومن المتوقّع أن يؤدّي تضييق هذه الحلقات إلى إضعاف القدرة على التنسيق الدولي للجماعة، وإلى دفعها نحو شكل من الانكماش التنظيمي قد يتحوّل إلى عمل مغلق أو غير علني، وهو نمط تاريخيًا ما يرتبط بارتفاع احتمالات التشدد وصعوبة الرقابة. هذا التحوّل قد يقود أيضًا إلى نشوء كيانات وطنية صغيرة متمايزة تنظيميًا عن «الجماعة الأم»، ما يعمّق التفكك الداخلي الذي بدأ بالفعل منذ سنوات.
أما على مستوى الدول العربية، فمن المحتمل أن تتنوع المقاربات تجاه القرار. فبعض الدول قد ترى في التصنيف الأميركي غطاءً لتشديد القيود على الجماعة، في حين ستسعى دول أخرى إلى الحفاظ على هامش استقلالية عبر معالجة ملف الإخوان ضمن أطر قانونية وسياسية محلية دون تبنّي كامل للتعريف الأميركي. هذا التنويع يعكس إدراكًا لمخاطر أن يتحوّل التعاطي مع الفاعلين المحليين إلى مسألة تُدار وفق توازنات دولية بدلًا من أن تُنظَّم وفق الحاجات الوطنية الخاصة بكل دولة.
أما داخل الجماعة نفسها، فمن المرجّح أن يعيد القرار إنتاج الانقسامات في بنية القيادة وخيارات المسار السياسي. فخطاب «الأستاذية» الذي شكّل الإطار العقيدي للتنظيم لم يعد قادرًا على التكيّف مع واقع سياسي تُعاد صياغته تحت ضغط الدولة الوطنية من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى. وقد تجد الجماعة نفسها أمام خيارين: إما إعادة تشكيل ذاتها كقوة سياسية محافظة ضمن المجال الوطني، وهو خيار يتطلّب تفكيكًا فعليًا للتنظيم العالمي، أو الانزلاق نحو مزيد من العمل المغلق الذي سيؤدي إلى تراجع إضافي في الشرعية الاجتماعية مع ارتفاع احتمالات الانقسام الداخلي.
في هذا الإطار، يبرز التساؤل الأهم المتعلق بالسيادة: إلى أي مدى يمكن للدول أن تدير علاقتها بفاعلين سياسيين محليين ضمن إطار قوانينها ومقتضيات أمنها الاجتماعي، دون الارتهان لتوصيف خارجي قد لا يأخذ بالاعتبار الواقع السياسي الداخلي؟ هذه المعضلة تمثّل التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة، إذ إنّ تحويل الصراعات السياسية الداخلية إلى امتدادات مباشرة لصراعات دولية يهدّد قدرة الدولة على إدارة توازناتها، ويعيد إنتاج المجال السياسي وفق إيقاع مصالح لا تنتمي إلى المجال الوطني.
في المحصلة، لا يمثّل التصنيف الأميركي لحظة حسم في تاريخ الإخوان بقدر ما يشكّل محطة في مسار طويل من التراجع وإعادة التشكل. فمن غير المرجّح أن يؤدي القرار إلى انهيار شامل للجماعة، كما أنه لن يعيد إنتاجها كفاعل مركزي. لكنه سيقود على الأرجح إلى تحوّلها إلى تيار مجتمعي محافظ محدود التأثير، وإلى تفكك تنظيمها العالمي، وإلى بقاء أثرها الرمزي دون فعالية تنظيمية واسعة. وفي مقابل هذا الانحسار، سيظل التحدي الأكبر أمام الدول هو ضمان استقلال قرارها السياسي في إدارة هذا الملف، بحيث لا يصبح الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني معيارًا مضمَرًا يوجّه القرارات المتعلقة بفاعلين سياسيين محليين، أو يحلّ محلّ الاعتبارات الوطنية التي ينبغي أن تكون وحدها المرجعية الحاكمة.



