نزع سلاح حماس وحزب الله: طرح إعلامي أم مشروع إستراتيجي؟
خالد خليل
في الآونة الأخيرة، تصاعد الحديث في وسائل الإعلام الإقليمية والدولية عن ضرورة “نزع سلاح حماس في غزة” و”حزب الله في لبنان”، في سياق يبدو أنه يتجاوز التحليل الأمني التقليدي إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد في المنطقة. هذا الطرح، الذي كان يُعدّ حتى وقت قريب من المحرّمات السياسية، صار اليوم يتردد على ألسنة شخصيات سياسية وإعلامية كانت تتجنب الخوض فيه، مما يثير تساؤلات جدية حول الخلفيات الحقيقية لهذا الخطاب، ومدى واقعيته، ومن يقف خلفه، وهل نحن أمام مرحلة تمهيدية لمشروع أكبر يُراد فرضه على شعوب المنطقة وقواها الفاعلة.
⸻
أولاً: التطبيع الجديد وسردية ما بعد 7 أكتوبر
شكلت عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 نقطة تحول مفصلية في الصراع العربي-الإسرائيلي، وأعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث بعد سنوات من محاولات “احتوائها” عبر مسارات سياسية واقتصادية ضيقة. لكن في أعقاب هذا الحدث، تسارعت محاولات إعادة هندسة الواقع السياسي والأمني في الإقليم، ليس فقط بهدف إضعاف حماس، بل من خلال محاولة نزع سلاحها بالكامل، كجزء من تصور أمريكي-إسرائيلي لما يسمى بـ”اليوم التالي في غزة”.
المعادلة شبيهة بما يُطرح تجاه حزب الله في لبنان، وإن كان السياق مختلفًا: المطلوب ليس فقط كبح جماح المقاومة، بل تحييدها بالكامل عن الصراع مع إسرائيل، وتفكيك بنى القوة التي تشكل تهديدًا لـ”هندسة السلام الإبراهيمي”.
⸻
ثانيًا: واقعية الطرح وحدود التنفيذ
رغم تصاعد هذا الخطاب، إلا أن تطبيقه ميدانيًا يصطدم بجملة من العوائق:
- الشرعية الداخلية لقوى المقاومة: حماس وحزب الله لا يمثلان مجرد تنظيمات مسلحة، بل يشكلان حركات جماهيرية عميقة الجذور، متداخلة مع البنية الاجتماعية والسياسية في كل من غزة وجنوب لبنان.
- غياب البديل الحقيقي: من سيملأ الفراغ الأمني والسياسي في حال نُزع السلاح؟ السلطة الفلسطينية لا تملك القدرة ولا الشرعية في غزة، والجيش اللبناني لا يستطيع أن يحل محل حزب الله دون تفجير الوضع الداخلي.
- الدور الإقليمي والدولي: محور المقاومة (إيران، سوريا، الحشد الشعبي، الحوثي) لا يمكن أن يقف متفرجًا أمام محاولات خنق أذرعه المتقدمة، خصوصًا إذا ما نُظر إليها كجزء من مشروع أمريكي لإعادة رسم توازنات المنطقة.
⸻
ثالثًا: الدوافع وراء التصعيد الإعلامي
من المهم التمييز بين ما يُطرح إعلاميًا، وما يُخطط سياسيًا واستراتيجيًا. يبدو أن التركيز الإعلامي المكثف على “نزع السلاح” يخدم عدة أهداف:
- تهيئة الرأي العام لفكرة أن السلاح “أصبح عبئًا” وليس رصيدًا.
- ضرب الثقة بين الحاضنة الشعبية والمقاومة، من خلال تصوير السلاح كسبب للدمار والدماء.
- الضغط النفسي على حركات المقاومة، ودفعها إلى تقديم تنازلات، أو القبول بحلول وسط قد تمس جوهر دورها.
⸻
رابعًا: بين التفاوض والنفي… رسائل متبادلة
ردود الفعل الصادرة عن حماس وحزب الله، بشكل مباشر أو عبر الإعلام الموالي، تؤكد رفض الفكرة من جذورها. فبالنسبة لهما، نزع السلاح يعني تجريد الحركة من مشروعها الوجودي، لا فقط من أدواتها. لكنه أيضًا لا يمنع من الانخراط في حوارات داخلية وخارجية حول ترتيب المرحلة المقبلة، وخصوصًا في غزة، تحت ضغط الحرب والمأساة الإنسانية.
بعبارة أخرى: الرفض لا يلغي إمكانية التفاوض، لكن وفق شروط تضمن بقاء “جوهر المقاومة”، حتى وإن تغير شكلها الظاهري.
⸻
خاتمة: مشروع أم وهم؟
طرح نزع سلاح حماس وحزب الله، في هذا التوقيت، لا يبدو قابلاً للتحقيق عمليًا دون تغييرات جذرية في موازين القوى. لكنه ليس مجرد وهم إعلامي أيضًا؛ بل قد يكون جزءًا من معركة طويلة النفس لإعادة صياغة المعادلة الإقليمية بما يخدم إسرائيل وحلفاءها، من خلال تفكيك بنى المقاومة أو احتوائها سياسيًا.
المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة هذه القوى على الصمود، أو المناورة، أو حتى ابتكار أشكال جديدة من الفعل المقاوم، تتجاوز الصيغة العسكرية إلى ما هو أعمق وأذكى وأشد تأثيرًا.



إرسال التعليق