ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الثّالث (4)

رشيد مصباح (فوزي)

الجــــزائر

*

يمكن تقسيم السنة التي أمضيتها في المركز الإداري بمدينة قالمة إلى فترتين:

  • فترة أولى كنت فيها الطالب أو التلميذ الخجول المنطوي على نفسه.
  • وفترة ثانية تغيّرتُ فيها فجأة و بصورة ملفتة للنظر. وكنتُ قد تعرّضتُ لنزيف رئويّ حاد كاد يودي بحياتي، ثم امتثلتُ بعدها للشّفاء والتحقتُ بالمركز بعد غياب دام شهرين تقريبا، لأكمل السنة.

معظم النّاس لا يعرفون مقدار ما يعانيه الإنسان الخجول من شعور بالإحباط، والخيبة وفقدان الأمل. والخجول شخص ميّت بين الأحياء، والموت أرحم، والحياة بالنسبة له كلّها معاناة.

كان أحد تلاميذ (فرويد) أعرج، وتسبّبت له الإعاقة في ”مركّب النقص“. فكان يذهب إلى البحر ويلقي بخطب حماسيّة، وكان يُخيّل له أن الأمواج وهي ترتطم بالصّخور فتحدث صخبا كبيرا، كأنّها جماهير غفيرة تردّ عليه بالتصفيق الحار.

تأسّفتُ كثيرا لحالي وأنا أعاني مع هذا ”الأخطبوط“ اللّعين. ودفعتني المعاناة إلى التساؤل بحيرة عن السبب. لكن أعود في كل مرّة لأقول: ”ولعلّ في هذا الذي حرمني من أن أعيش حياة عادية ككل النّاس، يشفع لي يوم الحساب؟ ودفعني المرض اللّعين إلى اختيار الإدمان على أنواع المسكرات والمهلوسات، كحل للتخلّص من الشّعور المخزي، ولو بصورة مؤقّتة. ثم لا ألبث أن أعود إلى ما كنتُ عليه،واستسلم في نهاية المطاف، كما يستسلم الحمل الوديع للذّئب المفترس.

بسبب هذا اللّعين، كرهتُ كل شيء ولم أعد أفكّر سوى في اللّحظة التي أنا فيها. وصرتُ أدخّن السجائر بأنواعها وبما فيها(…/…) اغتنم فرصة نهاية الأسبوع، أتردّد على بعض الخمّارات أقتني زجاجة نبيذ تغيّبني لساعات أشعر خلالها بنشوة تنسيني المعاناة. يومها، كانت (قالمة) ولاتزال، مدينة ساحرة بموقعها الاستراتيجي ووجودها بين سلسلة من الجبال، في منطقة بركانية غنيّة بالمياه المعدنية.

وكان فندق(مرمورة) من بين الأماكن التي يأوي إليها كثير من النّاس، سيّما الذين يبحثون عن الرّاحة والهدوء، أو لديهم ارتباطات. إلى جانب كل من حمّام(الدباغ) و(أم علي) الذين لا يبعدان كثيرا عن المدينة. مما جعلهما أماكن للاستجمام وتمضية الأوقات، سيما في الفصول المعتدلة. وأمّا في موسم الصيف، حين تتوهّج المدينة بسبب الفلّين الذي يحيط بها من كل الجوانب، فكنتُ واحدا من بين الذين يتردّدون على شواطئ (عنّابة)، عبر عديد الحافلات التي لا تتوقّف.

إرسال التعليق