تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخباررأي

إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ

—-

*

رشيد مصباح (فوزي)

الجزائر

*

حرية الرأي والتعبير ونزاهة القضاء واستقلاليته: هما المعياران الأساسيان اللذان نستطيع من خلالهما التمييز بين دولة الحق ودولة الباطل. وأمّا غير ذلك فيبقى مجرّد كلام لا يقدّم ولا يؤخّر. ولا يمكن لأيّ أحد، كائن من كان، أن يغطّر الحق أو يغيّره. لأنّ الحقّ عليه نور، وأمّا الباطل فما له من قرار.

حريّة الرأي أو التعبير: تعبّر عن همّة عالية وإخلاص، ونزاهة، وشجاعة، وكفاءة، وجرأة صاحبها. لذلك، يجب على إنسان احترام صاحب الرأي، إذا كان يعبّر عن وجهة نظره بصدق وإخلاص. ولا يجب قمعه، لأن ذلك يعتبر استبدادا؛ ومن منّا يحبّ الاستبداد، إلّـا أن يكون صاحبه جائرا متسلّطا؛ بمعنى مجرم، مثل ما هو عليه بعض الأنظمة المستبدّة التي تدّعي احترامها لشعوبها وهي في الواقع اليومي المعاش تهينه وتحتقره.

يتم التعبير عن الرّاي والرّأي الآخر عبر الوسائل العديدة المتاحة، مثل الوسائل السمعية البصرية، والجرائد والصحف اليومية، والرّاديو والتلفزيون، وعبر وسائط التواصل الاجتماعي المعروفة… لكن تأثيرها يبقى محدودا، كون الحقيقة تتصادم مع المصالح الشخصيّة في أغلب الأحيان، واستوجب ذلك محاربتها بشتّى الوسائل والطرق.

كل الأنظمة السياسيّة فوق الأرض تتشابه في حربها المعلنة ضد الانسانيّة، ولو بنسب متفاوتة؛ ما جعل بعض الناس يُصدمون بالواقع، وما يجري في غزّة وغيرها، من إبادة جماعية وتدميرٍ لمعالم الحياة، ولا من يجرؤ على وضع حدّ لهذه الحرب القذرة التي لا تميّز بين مجرم وبريء.. لخير دليل على هذا الوقوف مع الظ|الم، حتى وإن كان بسبب الخوف، أو المصالح أحيانا .

الحرب في غزّة فضحت المستور، وأثبتت أن هناك من الناس من يتعنّت ولا يريد أن يتقبّل حقيقة أن المتسبّب الرّئيس في هذه الحرب هي فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس التي لم تدرس جيّدا العواقب الوخيمة عليها وعلى الغزّاويّين وتسبّبت في الكارثة. كما أنّها لا تريد أن تعترف بأنّها قد أسهمت في إنقاذ المجرم نتنياهو وحكومته المطرّفة و أخرجتهما من عنق الزّجاجة. وهذه هي الحقيقة المرّة التي يرفضها بعض الأشخاص بكل عنجهيّة وإصرار.

إن الحرب القذرة في غزّة أماط اللّثام عن وجه العالم القبيح، وفضح نفاقه وادّعاءاته الكاذبة. وأنه لامكان في هذا العالم الخبيث للفقير والضّعيف حتى وإن كان صاحب حق. لقد فضحت الحرب القذرة في غزّة كل الأنظمة المنافقة وأسقطت شعاراتها الكاذبة التي ظلّت تتغنّى بالدّيمقراطية والانسانيّة لزمن طويل. وتبيّن أن المعايير التي يتبنّاها هذا العالم المنافق تعتمد على المصالح لا غير، وليس على الشعارات البرّاقة الكاذبة.

لقد تبيّن من خلال الحرب المعلنة على الشعوب العربية والإسلامية خاصّة، أن الإسلام كدين يبدو غريبا في هذه الدّنيا، ومعه الحق؛ لأن النّاس يميلون بالفطرة حيث تميل القوّة. يصدّقون الجائر لأنّه قويٌّ، ويكذّبون الضّعيف وإن كان على حق. وتبي|ن أيضا أن النّاس في هذه الأيّام لم يعد يعيرهم أن يتاجروا بآرائهم ومواقفهم مقابل حصولهم على بعض المصالح والخدمات. ولو كان كل الناس يدافعون عن الحق وقول الحقيقة لما استطاع الظالم أن يتمادى ويصنع له أمجاد في هذا العالم. لكن المواقف صارت تحدّدها المصالح الشخصية في أيّامنا هذه التي تسلّط فيها الأقوياء على الضعفاء.

لقد فصلت محكمة الجنايات الدوّلية في قضية المجرم (نتنياهو) ومن معه من المتطرّفين الأشرار:

ـ فهل استطاع هذا العالم الخانع توقيفه وهو يتجوّل بين أوروبا وأمريكا بكل حريّة كأنّه بطل قومي؟

ـ وهل استطاع النظام في الجزائر توقيف المجرمين الفارّين من العدالة الجزائرية و استرداد المال المنهوب؟

يجب على الأنظمة في البلدان العربية أن تمنح الحريّة الكاملة لشعوبها للتعبير عن رأيها في كل القضايا المصيرية. كما يجب إعطاء الحريّة كاملة غير منقوصة للقضاء؛ بعدم التدخّل في شؤونه أو تسيسه، إذا ما أرادت هذه الأنظمة أن يكون لها وكلمتها صدى واسع في هذا العالم الجائر. لأن النّظام يستمدّ سرّ قوّته من شعبه إذا كان حرّا. وصدق الشّاعر حين قال:

إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ ** فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ

ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي ** ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ

(أبو القاسم الشابي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى