تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخبار

ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الثّالث (3)

*

رشيد مصباح(فوزي)

الجــــزائر

الأعمار لاتقاس بالأعوام، وكما أن الوعي والذكاء والأخلاق ليسوا شهادات قد يحصل الإنسان عليها بطرق غير نزيهة وملتوية، ومن الأشخاص من وصل إلى أعلى المراتب متجاوزا كل المراحل لكن ذلك لم يفده في شيء. تعرفونهم أشد المعرفة، هناك نماذج كثيرة في الحياة. عرفتُ هذا بعد فصول من التجارب و”اللّي ما هام وما عام ما يعرف قدّاش من ليلة في العام“ وغيره من الأمثلة الشعبية الواقعية التي يمكن إسقاطها على حالنا وواقعنا اليومي المعاش. فليس من سمع و من رأى كمن ذاق وتألّم.

رقدتُ في مصحّة ”Sanatorium“بمدينة سوق أهراس، ولم أتجاوز الستّة أعوام، وكدتُ أخسر فيها إحدى ساقيّ لولا عناية الله وحفظه، ثم وأنا شاب وبنفس المستشفى بقيتُ شهرا وأنا أنزف.. ثم وأنا كهل بالمستشفى الجواري بنفس المدينة، بقيتُ نصف شهر انتظر من يجري لي عملية استئصال للمرّارة، لأجدني بمستشفى الفارابي بعنابة في الإنعاش في نهاية المطاف.. وأنا على أعتاب الشيخوخة بمستشفى هواري بومدين بمدينة سدراتة، أعاني من آثار فيروس كبدي من النوع القاتل الفتّاك:(س) أشدّهم خطرا على الإطلاق… وتجرّعتُ خلالها أنواع المرارة بسبب الأباري التي كانت تُغرز في لحمي والدماء تسيل من عروقي وجلدي.. وعضلاتي التي تعرّضت للضمور من كثرة الحقن. وعانيتُ من الفراق وأنا طفل صغير، ومن الوحدة والاغتراب النفسي خلال مرحلة الطفولة البائسة ولم أجد صدرا حنونا آوي إليه، ولا من يأخذ بيدي. ونجحتُ ورسبتُ، وفرحتُ وبكيتُ، وربحتُ وخسرت.. وتهتُ وتاهت بي السبل، ولطيبتي دخلتُ السجن لسبب تافه وتهمة ملفّقة وباطلة وقول زور، وأنا لا أستعطف بكلامي هذا أحدا. وأرجو من الله أن يغفر لي ويعفو عنّي، كما عفوتُ عمّن ظلمني.

ولم أندم في حياتي كما ندمتُ على اختيار وظيفة لا تتناسب مع حالتي النفسيّة، فأنا في حقيقتي شخص خجول شغوف بالكتب وحب المطالعة، وكان لذلك وقع محمود على نفسيّتي وشخصيتي. وكانت طموحاتي جامحة ليس لها حدود. ولم يكن التحاقي بمركز التكوين الإداري عام 1984 منبعه الوعي، بقدر ما كان يعبّر عن التّماهي مع الظروف؛ فقد أتيحت لي فرصة لأكون أستاذ مادة بمتوسّطة قبلها، ولكن قدّر الله وما شاء فعل. وليست الإدارة بهذا السّوء، ولكن السيّء حقّا هو أنا الذي لم أحسن الاختيار. ولقد حاولتُ بأقصى ما أملك من الصّبر والجهد؛ فكنتُ احسب الشهور والأعوام لاعتقادي الرّاسخ بأن بقائي فيها لن يستمر طويلا.

من الأشياء التي يسّرت لي السبيل للإلتحاق بمركز التكوين الإداري بقالمة يومها هو التقسيم الإداري الذي انبثقت عنه ولايات وبلديات جديدة، تجاوز عددها ألف وربعمئة بلدية، الأمر الذي عجّل بتكوين إطارات شابّة لسدّ الشغور. وجاءت التعليمات الفوقية توصي برفع النسب والعدد وغضّ الطرف عن كل الشروط والمقاييس. ولم أندم على السنة التي قضيتها بقالمة، والأيام الجميلة التي أمضيتها في تلك المدينة الرّائعة وأهلها الطيّبين؛ فقد نالت قالمة يومها جائزة أنظف وأجمل مدينة في الجزائر رفقة باتنة. ولكن قالمة لم تعد تلك المدينة التي عرفتها في تلك السنة، فقد آلمني ما رأيته مؤخّرا من انتشار للقاذورات واعتداء على العمران وتسيّب في كل المجالات…

كان مدير المركز شخصا نحيفا ولكنه صارما جدّا، ويتّهمه بعض الطلّـاب الذين يكرهونه بالجهوية؛ حجّتهم في ذلك توظيفه لعدد كبير ومعتبر من الأساتذة والطلّـاب الذين ينحدرون كلّهم تقريبا من أصول وجِهات وولايات كالتي ينتمي إليها هذا المدير الذي لم يتم سنته معنا كاملة وغادر المركز إلى المستشفى بسبب وعكة صحيّة. ثم من بعد ذلك، إلى إحدى ولايات الوطن، أين شغل وظيفة ملحق بديوان الوالي. ثم ترقّى بعدها تدريجيا إلى أن أصبح واليا بعدّة ولايات.. ووزيرا… ولا أعلم عنه بعد ذلك شيئا. كان هذا المدير لا يجيد الكلام إلّـا بالفرنسية، ولا ترى مطلقا في وجهه العبوس مجرّد ابتسامة، فكان أنموذجا للإطار الكفء الصارم الذي لا يعرف الهزل ولا يتساهل مع غيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى