قانون تشريع و ادارة

خلقت محاميا لا قاضيا

خُلقتُ محاميًا لا قاضيًا.

قبل انتمائي إلى نقابة المحامين العراقيين، كنتُ قارئًا، وبعد انتمائي إليها صرتُ أكثر قراءة، وكوّنت مكتبة متنوعة بين كتب القانون والأدب والتاريخ والفكر والسياسة والسير والفقه وغيرها. وكان، ولا يزال، جزء كبير من أتعاب المحاماة يذهب لشراء الكتب، فاقتَنيتُ وقرأتُ أغلب ما كُتب في الأحوال الشخصية من كتابات ربيع الزهاوي، ومحمد حسن كشكول، وفوزي المياحي، وعدنان مايح، وأغلب ما كُتب في المرافعات سواء لمدحت المحمود، أو صادق حيدر، أو عدنان مايح، أو رحيم العكيلي، وأغلب ما كُتب في القانون المدني سواء لفتة العجيلي، أو فوزي المياحي، أو فلاح ونّاس، أو ربيع الزهاوي، وهكذا في شروحات قانون العقوبات، وأصول المحاكمات، ومجاميع أحكام محكمة التمييز. وأدمتُ، ولا أزال، القراءة بشكل يومي في شتى فروع المعرفة. وبعد أكثر من عشر سنوات، بدأتُ أفكر في أن أكون قاضيًا تلبيةً لرغبة الأهل، إلا أنني كنتُ مترددًا بين أن أترك المحاماة، حلمي وهوايتي وعالمي، وبين أن أكون قاضيًا فأترك ما سرتُ عليه خلال مسيرتي العملية من حركة وإعلام ولقاءات ونشاطات وفعاليات. ورغم هذا التشتت النفسي، اخترتُ التقدم لأداء امتحان القبول في المعهد القضائي مرتين: الأولى العام الماضي، والثانية هذا العام. وكالعادة، ظهرت نتيجة الامتحان يوم( ١٣)نيسان (٢٠٢٥) بدرجة رسوب، رغم أن إجاباتي التي كتبتها كانت تؤهلني للنجاح حسب قناعتي ومعلوماتي وقراءاتي، غير أنني تقبلتُ النتيجة بكل رحابة صدر، وأنهي بذلك أية محاولة من أجل أن أكون قاضيًا، فالمحاماة ردائي الذي كان، ولا يزال، مقاسي الملائم لي، ولا يليق به غيري. ولو كنتُ عاشقًا للقضاء مثلها، لتركتُ الإعلام والظهور في مواقع التواصل الاجتماعي منذ أن تقدمتُ لامتحان القضاء، كون مؤسسة القضاء في العراق لن تقبل بظهور المنتسبين إليها في وسائل الإعلام، في الوقت الذي بُنيت شخصيتي على الظهور والتفاعل وإبداء الرأي في المسائل القانونية والاجتماعية، وحتى بعض السياسية.
لذا، أُعترفُ أنني كنتُ خاطئًا في التقديم إلى مؤسسة لا يتلاءم معها الإعلام ، ونصيحتي إلى المحامين الذين يرغبون في أن يكونوا قضاة: إما المحاماة والظهور والإعلام، أو القضاء والابتعاد عنهما. أما أن تريد الاثنين، فأنت واهم مثلي!
قناعتي أنني لم يفُتني إلا ما لم يتلاءم معي، ولم أبقَ إلا في حلمي وحياتي التي خُلقتُ لها، وهي المحاماة المقدسة.
شكرًا للسادة القضاة الذين أشرفوا على أوراق امتحاني، وكان لهم رأي غير الذي أراه. شكرًا للسادة القضاة المشرفين على قبول طلبة المعهد القضائي الذين يرونني أصلح محاميًا لا قاضيًا. شكرًا للمحاماة بيتًا وتجربةً وعمرًا. هكذا هو وليد الجبر، لن يكون إلا محاميًا وصاحب منصة قانونية جميلة، بشهادة الآلاف. مسارات قانونية.
كل التوفيق لمن حالفهم الحظ من الزملاء في القبول في مؤسسة القضاء العظيمة، وكل التألق والنجاحات لمن اختارتهم المحاماة ولم يقبلوا، فالمحاماة أولى بكم.
المحامي وليد عبد الحسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى