يا طير السنونو

—-

رشيد مصباح (فوزي)

الجزائر

*

السنونو أو الخطّاف: طائر مُهاب ومحترم كثيرا في عرف سكان المعمورة، يقتات السنونو على الحشرات. يعيش ويتواجد السنونو عادة كزوجين ذكر و أنثى ويطيران مترافقين. يبني السنونو عشه من الوحل والقش ويلصقه في سقوف المنازل، فالكبار يوصون الصّغار بالحفاظ على هذا الطائر وعدم التعرّض له أو اصطياده او ازالة عشّه، لدرجة انهم يتركونه يعشعش في بيوتهم، بل يتبرّكون به ويعتبرونه طائرا مباركا مقدسا مهابا.

الملفت ان السنونو نفسه يعرف جيّدا بأن النّاس لا يجرؤون على صيده، و بأن لا أحدا منهم يقترب منه ومن مسكنه، فهو لا يفرّ منهم.

لكن في هذه الأيّام تهدّد طائر السنونو مخاطر كثيرة، دفعت ببعض الرّابطات التي تعنى بحماية الطيور إلى المطالبة بحمايته من الانقراض.

وفي بعض الأعراف، يبشّر الخطاف أو السنونو بقدوم الربيع، وأنّه رمز للتفاؤل، يبعث على الحيويّة والنّشاط. وقد فسّر ابن سيرين رؤية الخطّاف أو السنونو في المنام بالرجل أو المرأة المباركة.

——-

نحن في شهر أفريل من عام 2013 فتحت نافذة غرفة النوم للتهوية كالعادة، فدخلت سنونوة ثم تبعها آخر، و أخذا يصنعان الفرح. ثم غادرا، ثم ما لبث أن رجعت الأنثى ولكن مع إطالة التغريد والرّقص والدوران حول ثرية الغرفة، مكان المصباح المعلّق، في مشهد يدلّ على أنّها تريد بناء عشّ.

لكن المكان الذي تحوم حوله يتدلّى، ممّا قد يعرّض العشّ للسّقوط بمجرّد هبوب ريح أو نسمة قويّة من النّافذة التي لا يمكن غلقها باعتبارها المنفذ الوحيد للعالم الخارجي ودخول الشمس والتهوية. حاولت إيصال الفكرة بكل الطرق، لكن السّنونو المغرورة، تدفعها الغريزة لم تنتبه. لقد بذلتِ المسكينة كل ما في وسعها لأجل بناء مسكن مريح لصغارها، بينما كان زوجها يرافقها في تلك الأوقات دون مساعدتها. وكنتُ أراقبها، فقرّرتُ الإبقاء على نافذة الغرفة مفتوحة حتى تنهي المسكينة مهمّتها النّبيلة ولا أكون سببا في تحطيم طموحاتها.

بعد أيّام من الكد والجد والمغامرة.. استطاعت زائرتي في الأخير أن تكمل عشّها، وتستقرّ في بيتها، ووجد الذّكر في العش مكانا مهيّأ للتعشيش بجوار أنثاه. وتمضي الأيّام تترى.. وإذ بي أسمع ”جيييييت“ و ”تشريت“ وتغريدات متواترة ومُتكررة، فعلمتُ أن الأبوين رزقا بعدد من الأبناء، وفرحتُ كثيرا لأجلهما، على الرّغم من توجّساتي و مخاوفي من احتمال سقوط العش الذي صار يتدلّى مع ثريّة الغرفة كلّما هبّت نسمة من نافذة الغرفة المفتوحة بالليل والنّهار.

كبر عدد الأبناء ومعه أخذت رغبتهم في استكشاف العالم من حولهم شيئا فشيئا تكبر وتزيد.. ما زاد في خطورة احتمالية سقوط العشّ الذي أصبح لا يتحمّل ثقل من فيه. وما هي إلّـا أيام قليلة حتى أخذ البراعم يتهاوون الواحد تلو الآخر، والأمّ تنظر إليهم ولا تستطيع أن تفعل شيئا. ممّا أدى إلى هلاكهم، والزوج غائب لم يعد؛ يحتمل أنّه راح يبحث عن أنثى ومكان آخر يستقرّ فيه. فالأنثى هي من تدفع ثّمن سذاجتها وعاطفتها العمياء في الأخير.

إرسال التعليق