المواقع الافتراضية ودورها في تسطيح العقول

رشيد فوزي مصباح

صرنا وبفضل الله جميعا، ثم بفضل هذه الوسائل المعرفية الحديثة، علماء وفلاسفة ومفكّرين… في هذه الأيّام الأخيرة على ما يبدو، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الافتراضية التي تشجّع على النشر بلا قيد ولا شرط ولا ضوابط تحكمها.. وباتت متاحة، تبيح لكل من هب ودب الإدلاء بالرّاي وتوجيه النّقد بأشكاله وأنواعه وألوانه، وهذا ما يُعاب على هذه الوسائل المعرفية الحديثة التي صارت محلّ انتقاد من طرف أصحاب الرّاي، على الرغم من الخدمات الجليلة التي تقدّمها، وأنّها باتت مصدرا للتشجيع على التفكير السطحي باعتباره نوعا من الجهل، والجهل المركّب.

في الحقيقة، والحق يقال، نحن كلّنا سطحيّون ولكن بنسب متفاوتة، وليس هناك من يملك الحقيقة المطلقة. فالعلم درجات، [نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ] – كما قال المولى عزّ وجل -. والجهل دركات، فهناك جهل بسيط وآخر مركّب، فالبسيط معلوم لدى الجميع، وأمّا المركّب فلا يدركه كل العوام. والتفكير السّطحي هو الجهل المركّب بعينه، لأن صاحبه لا يعرف أنّه جاهل، وصار ”التعالم“ بالنسبة له قناعة.

و لتقريب الفكرة أكثر، فإنّنا حين نسأل عالما متمكّنا او مخترعا ما، لآلة من الآلات، أو جهاز ما من الأجهزة الحديثة والمتطوّرة، كالتلفزيون مثلا، عن رأيه فيه، فإنّنا لا نحصل على إجابة قطعية، لأنّه يجد صعوبة في إقناعنا بأنّ ماتراه أعيننا ليس كل شيء. وأمّا السّطحي فإنّه يجيبنا على الفور وبطريقة ارتجالية، وبلا روية ولا تفكير.

لقد تسبّبت هذه الوسائل المعرفية الحديثة، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، في إرساء قاعدة لنشر وتعميم السطحيّة، وحتّى صار يُخيّل للواحد منّا أنّه بإمكانه الخوض في كل المواضيع متشبّثا برأيه على أنّه هو الصّواب وغيره لا يفقه شيئا. وأصبحنا نتحرّج من قول ”لا أعرف“ التي تعبّر عن فضيلة وهمّة صاحبها؛ ندلي بآرائنا في كل المواضيع، في ما يعنينا وما لا يعنينا، بلا وازع ولا رادع يردعنا، ولأن العلماء الحقيقيّين وأصحاب الرأي الفعليّين الذين بهم الحاجة لم يعد بإمكانهم مواجهة السطحيّين؛ هذا التيّار الأرعن الجلف،

ظهر هناك من ينتقد عليّا ومعاوية بن أبي سفيان، وهو لا يعرف عن سيرة الصحابة سوى ما يشاهده من مسلسلات في التليفزيون.. ومن يشكّك في البخاري، وهو لا يعرف من علم الحديث شيئا.. ومن يصرّ على ”سطحيّة الأرض“ في ظلّ وجود آلاف الأقمار الصناعيّة، وكذا المحطّة الفضائيّة.. ومن يتحدّث عن الرّوح وعن عالم البرزخ.. ومن يرجم بالغيب… ولو سألت هؤلاء عن أبسط المسائل الفقهية لتلكّأ وتلعثم.. وابتلع لسانه.

لذلك، يحرص الغرب كثيرا على زرع هذا النوع من الاعتقاد الزّائغ في نفوسنا الضّعيفة والمتوهّمة، والتشجيع على هذا النوع من التفكير السّطحي… بهدف زعزعة العقيدة والتشكيك في الدّين.

إرسال التعليق