سيناريوهات المواجهة بين دونالد ترامب وإيران

هل تنجح استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القائمة على تركيع الخصم ثم إجباره على التفاوض، من جلب الإيرانيين إلى طاولة المحادثات ؟
يبدوا أن تهديدات ترامب، سواء تعلق الأمر بالعقوبات والتوعدد بتشديدها عبر “الضغط الأقصى”، أو فرضية عملية عسكرية في حالة رفض المحادثات، تبدو “غير مسموعة” في طهران، التي لا تعتمد نفس اللغة “المزدوجة” التي يتقنها رئيس الأمريكي.
قررت ايران التصعيد متحركة نحو مرحلة ردع نووي محتمل فهل تتخطى طهران العتبة وتصنع القنبلة النووية؟ بعد تفاقم ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران، و الرسالة التي بعثها للمسؤولين الإيرانيين وضربات ضد حلفائهم الحوثيين في اليمن،
باتت إمكانية تسلح إيران بقنبلة نووية أقرب من الواقع أكثر من أي وقت مضى. فقد أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن قلقها بهذا الشأن، وأشارت في تقرير سري مؤرخ في 8 فبراير/شباط الماضي، إلى أن احتياطيات إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ارتفعت بشكل كبير، لتبلغ 274.8 كلغ مقارنة بـ 182.3 كلغ في نوفمبر/تشرين الثاني. ما يمثل زيادة قدرها 51% خلال ثلاثة أشهر فقط.
وما يثير مخاوف الخبراء في المنطقة هو ارتفاع حدة اللهجة بين دونالد ترامب وطهران. ووفق العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، مثل أكسيوس، أن الرئيس الأمريكي أمهل الإيرانيين شهرين لإبرام اتفاق حول برنامجهم نووي، عبر رسالة لم تكشف واشنطن ولا طهران عن محتواها.
هذا، وتعد الغارات الجوية التي شنتها واشنطن السبت 15 مارس/آذار، على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، أهم عملية عسكرية للرئيس الأمريكي منذ ولوجه البيت الأبيض. وهو ما يعتبر تهديدا مباشرا لطهران.
لقد ساهمت عوامل عدة في زعزعة الخط الدفاعي الأمامي لإيران: حزب الله الذي صار أضعف بعد وفاة زعيمه حسن نصر الله في لبنان، سقوط بشار الأسد في سوريا، إلى جانب الحرب في غزة التي دمرت جزءا من حماس، والضربات الأمريكية التي طالت الحوثيين في اليمن.
وفي الصدد، تحلل ويندي رمضان ألبان، الباحثة المشاركة في CETOBaC (مركز الدراسات التركية والعثمانية والبلقان وآسيا الوسطى) ومندوبة التنمية الدولية والعلاقات المؤسسية في IRSEM (معهد البحوث الاستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية)، لفرانس24 قائلة إن “إيران صارت ضعيفة للغاية في ردعها الذي كان يعتمد بشكل أساسي على الصواريخ الباليستية وعلى شبكة “’المقاومة’ التابعة لها”. وتضيف: “استنزفت قوة ردعها إلى حد كبير، لا يُستغرب أن تنطوي إيران على الطاقة النووية في سياق تعرضها بانتظام لتهديدات بالهجوم وخشية أن تطالها ضربات من إسرائيل”.
وجود إيران في وضعية غير آمنة، قد يدفعها إلى التسلح بالقنبلة النووية. هذا الأمر أيقظ بشكل خاص مخاوف الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقريرها الصادر في شهر فبراير/شباط. إذ يحتاج تصنيع القنبلة إلى يورانيوم مخصب بنسبة 90%، وإن كانت المراحل لإنتاج صواريخ مجهزة برؤوس حربية نووية،عديدة. وتعتبر الوكالة أن نحو 42 كلغ من اليورانيوم بنسبة 60% كافية نظريا لإنتاج قنبلة ذرية، إذا تم تخصيبها إلى نسبة 90%.
وتوضح ويندي رمضان ألبان قائلة: “لقد رفعت إيران من مخزونها بشكل معتبر. ويُرجح أن 274.8 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪، وفقا لأحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يتوافق مع مادة نووية كافية لتصنيع ما يعادل ست إلى سبع قنابل. لكن، يجب زيادة تخصيب هذا اليورانيوم إلى نسبة 90%”.
وبدوره، يوضح دافيد ريغولي روز، الباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، قائلا: ” ما كان صعبا اتقانه بالنسبة للإيرانيين هو ما يُعرف بالدورة النووية، أي التمكن من تخصيب فعلي لنسبة 5% إلى 20%…ولكن بمجرد تجاوز هذه العتبة، يصبح التخصيب أسهل بكثير فنيا للوصول إلى نسبة 60%. وبالتالي، إذا اتخذت إيران قرار الانتقال إلى معدل تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، فسيستغرق ذلك وقتا قصيرا للغاية للتحول من 60% إلى 90%.
هذا، وإذا قرر النظام الإيراني اتخاذ المسار النووي العسكري، فسيتعيّن عليه تحويل هذه المواد إلى سلاح ذري. فقد طورت طهران بالفعل سلسلة من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي يمكنها حمل رؤوس حربية نووية. لكن سيتعين على النظام أيضا تصغير حجم السلاح النووي ليناسب رأس الصاروخ الباليستي. ما يعتبر خطوة حاسمة يمكن أن تستغرق من ستة أشهر إلى عامين، وفق تقديرات العديد من الخبراء.
إمكانية لجوء طهران إلى “الردع النووي”
تغيرت اللهدة والخطاب في طهران حول المسألة. فمنذ عام تقريبا، بدأ الحديث عن الردع النووي يأخذ مساحات كبيرة في الأوساط السياسية الإيرانية وبشكل علني. وتؤكد ويندي رمضان ألبان قائلة: “إلى حد الآن، تقول إيران إن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية فقط.” وتضيف: “لكن ما تغير هو أنه في الربيع الماضي [تبادل القصف بين إيران وإسرائيل في الفترة ما بين أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2024]، أخذ العديد من القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين بعين الاعتبار إمكانية إيران اللجوء إلى الردع النووي، خاصة إذا استخدمت إسرائيل التهديد بضرب البنية التحتية النووية الإيرانية كوسيلة للضغط. ما يعد أمرا جديدا تماما”.
في حين، أصبحت مسألة عسكرة البرنامج النووي والخروج من معاهدة منع الانتشار النووي في البرلمان الإيراني الذي يهيمن عليه المحافظون المتشددون، موضوعا لمناقشات عادية ومن دون عُقد، خاصة من جانب المسؤولين المتشددين المنتخبين في جبهة الاستقرار.
اقرأ أيضاخامنئي يرفض دعوة ترامب لإجراء محادثات نووية ويعتبرها “خداعا يهدف إلى تضليل الرأي العام”
كما أن التشدد في سياسة إيران الداخلية منذ انتخاب إبراهيم رئيسي – الذي توفي في مايو/أيار 2024 في حادث طائرة هليكوبتر – يبدو جليا في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشكو من عدم قدرتها على الوصول إلى مواقع معيّنة.
لكن، يعتمد الخطاب الرسمي في إيران على فتوى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي التي تحظر بموجبها الأسلحة النووية دينيا. إذ أكد علي خامنئي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أن إيران “لا تبحث عن القنبلة الذرية” لأن “الإسلام لا يسمح لنا بذلك”.
وهو الخط الذي يواصل الرجل الأول في النظام الإيراني التمسك به. فبعد تلقي رسالة دونالد ترامب التي تطالبه بالتوصل إلى اتفاق بشأن الأسلحة النووية، رد المرشد الأعلى في 12 آذار/مارس على الرئيس الأمريكي قائلا إنه “عندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية”، تقول الولايات المتحدة إنها “لن تسمح لإيران بامتلاكها. إذا أردنا صنع أسلحة نووية، فلن تتمكن أمريكا من إيقافنا. وحقيقة أننا لا نملك أسلحة نووية ولا نسعى للحصول عليها تعود إلى أننا لا نريد امتلاكها”.
هل سينجح نهج ترامب في التعامل مع إيران؟
ويرفض خامنئي أي نقاش مباشر مع الولايات المتحدة طالما تبقى العقوبات الدولية مسلطة على إيران.
من جانبه، وفي حين يدعو عبر البعث برسالة، إلى التفاوض، يستمر ترامب في الوقت ذاته ممارسة سياسة “الضغط الأقصى” على الجمهورية الإسلامية، من خلال زيادة العقوبات الاقتصادية عليها، خاصة في ما يتعلق بقطاع النفط. فيسعى دونالد ترامب ببشكل خاص إلى منع شراء الصين للنفط الإيراني، علما أن الصينيين هم الزبناء الرئيسيون للجمهورية الإسلامية التي تعتمد على صادراتها بشكل رئيسي.
ويذكر أنه، في العام 2015، أبرمت إيران اتفاقا في فيينا مع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين وروسيا والولايات المتحدة لتأطير برنامجها النووي. وفي المقابل، تعهدت الدول المصادقة على الاتفاق بتخفيف العقوبات الدولية المفروضة على طهران. لكن في العام 2018، قام دونالد ترامب، خلال فترة ولايته الأولى، بسحب بلاده بشكل أحادي من الاتفاق – الذي التزمت به طهران، وفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية – وأعاد فرض عقوبات شديدة على طهران. وكان لهذه الاستراتيجية تأثير عكسي، إذ دفعت إيران إلى استئناف برنامجها النووي المثير للجدل في العام 2019.
إيران تتمتع بالخبرة النووية
وفي حال الخيار العسكري، أي إذا قرر الجيش الإسرائيلي مهاجمة المواقع النووية الإيرانية الرئيسية في نطنز وفوردو ـ التي يُرجح أن تكون على عمق أكثر من ستين مترا تحت الأرض ـ ستحتاج إسرائيل إلى دعم عسكري أمريكي، فهم الوحيدون الذين يمتلكون ذخائر قادرة على التوغل في أعماق الأرض.
لكن، يوضح دافيد ريغولي روز قائلا: “قد لا تتمكن حتى قنبلة من نوع جي بي يو-57 أ/بGBU-57 A/B أو القنبلة الخارقة من نوع الذخائر الضخمة GBU-57A/B (MOP) Massive Ordnance Penetrator بالضرورة تجاوز عمق 60 مترا. في هذا الاحتمال، لا شك أن تخلف أضرارا كبيرة، لكنها لن توقف البرنامج النووي الإيراني.”
ويلخص الخبير في الشأن الشرق أوسطي قائلا: “إيران اكتسبت المهارة النووية، ولا رجعة إلى الوراء ممكنة في هذا المجال”. ويضيف: “إذا حدثت أضرر -مهما كان حجمها- فإن الإيرانيين سيعرفون كيف يصلحونها. هم يعملون لمدة عشرين عاما لتأمين مواقع برنامجهم النووي. ولديهم الآن الخبرة اللازمة ومنظومة من المهندسين من ذوي الكفاءة. يمكن للآلات أن تدمر، لكن إعادة بنائها ممكنة أيضا. أما الأدمغة فلا تختفي بشكل آلي. وهنا يكمن المشكل الحقيقي.”



