المتغطي بالأمريكان عريان..المثال الأوكراني نموذجًا

نجاح محمد علي
سياسي مستقل كاتب وباحث متخصص بالشؤون الايرانية والإقليمية والارهاب وحركات التحرر
(Najah Mohammed Ali)

الحديث عن السياسة الدولية والصراعات الإقليمية لا يخلو من تحليل دقيق للقوى الكبرى التي تقف وراء هذه الصراعات، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

العبارة الشهيرة “المتغطي بالأمريكان عريان” تعكس حقيقة مرّة يعيشها العالم اليوم، حيث تتلاعب القوى العظمى بمصائر الدول الصغيرة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، دون أن تكترث بنتائج ذلك على الشعوب والأمم. ومن أبرز الأمثلة الحديثة على هذا النهج هو الملف الأوكراني، الذي أصبح ساحة صراع دولي بين القوى الكبرى، وخصوصًا بين الولايات المتحدة وروسيا.

1- الإدارة الأميركية (الدولة العميقة) نصبت زيلينسكي رئيسًا لأوكرانيا
لا يمكن فهم ما يحدث في أوكرانيا دون النظر إلى الدور الأمريكي المحوري في تشكيل المشهد السياسي هناك. فالولايات المتحدة، عبر أداتها المعروفة باسم “الدولة العميقة”، لعبت دورًا كبيرًا في إحداث التغييرات السياسية التي شهدتها أوكرانيا منذ عام 2014، عندما تم الإطاحة بالرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش. وقد انتهت تلك المرحلة بتولي شخصيات موالية للغرب مقاليد السلطة في كييف، وكان آخرها فولوديمير زيلينسكي، المهرج الكوميدي السابق الذي تحول إلى رئيس للبلاد.

زيلينسكي لم يكن خيار الشعب الأوكراني، بل كان اختيارًا أمريكيًا وأوروبيًا. فقد دعمته الأجهزة الغربية بشكل مباشر وغير مباشر، ليصبح رمزًا للديمقراطية الغربية في مواجهة النفوذ الروسي. ولكن هل كان هذا الدعم مبنيًا على حب حقيقي لأوكرانيا؟ أم أنه كان مجرد أداة لتحقيق أهداف استراتيجية؟

الإجابة تبدو واضحة الآن. فزيلينسكي، الذي كان يُعتبر “حليفًا استراتيجيًا” للولايات المتحدة، تعرض لإهانات متعددة خلال زياراته الأخيرة إلى واشنطن.
تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لرئيس حكومة USAID في أوكرانيا كانت صادمة ومباشرة : “أنت تغامر بملايين الأنفس من الناس، أنت تغامر بإشعال حرب عالمية ثالثة”. هذه الكلمات ليست مجرد تحذير، بل هي إشارة إلى أن الولايات المتحدة تستخدم أوكرانيا كورقة ضغط ضد روسيا، دون أن تكترث بتداعيات ذلك على الشعب الأوكراني.

2- منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022، انقسم العالم إلى معسكرين رئيسيين: الأول هو محور الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا، والثاني هو محور روسيا والصين وبعض الدول الحليفة.
معظم الدول العربية، بما في ذلك العراق، اختارت الوقوف في صف الغرب، سواء بسبب الضغوط الأمريكية و أو التضليل الذي يجعلها غير قادرة على رؤية الحقائق كما هي.

ما حدث في أوكرانيا كان درسًا قاسيًا لهذا المعسكر. فقد استمرت الدول الغربية في تقديم الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، بينما كانت روسيا ترد بقوة على الأرض.

ومع مرور الوقت، بدأت تظهر الحقيقة المرّة: أن الغرب ليس لديه أي نية لخوض حرب مباشرة مع روسيا، وأن أوكرانيا ليست سوى أداة لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر.

أما بالنسبة لدول التبعية ، فهي تدفع ثمنًا باهظًا لاختياراتها السياسية. ففي العراق، على سبيل المثال، أصبح الإعلام الموالي للغرب أداة لتضليل الرأي العام، حيث يتم تسويق الرواية الغربية دون نقاش أو تحليل. وهذا ما يجعل هذه الدول عارية أمام العالم، لأنها تعتمد على دعم أمريكي لن يأتي إلا بنتائج كارثية في النهاية.

3- الإهانة نفسها يتلقاها معسكر التبعية المهزوم
ما حدث لزيلينسكي في البيت الأبيض ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو رسالة واضحة لجميع حلفاء الولايات المتحدة حول العالم. فواشنطن لا تتردد في استخدام حلفائها كأدوات لتحقيق أهدافها، ثم التخلي عنهم عندما يصبحون غير مفيدين. وهذا ما يحدث الآن مع زيلينسكي، الذي أصبح رمزًا للضعف والخضوع للإرادة الأمريكية.

نفس الإهانة يتلقاها ” حكام التبعية . فهذه الدول تعتقد أنها محمية بأمريكا، لكن الحقيقة هي أن أمريكا لن تدافع عنها إذا تعارض ذلك مع مصالحها. والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل موقف الولايات المتحدة من الغزو التركي لشمال سوريا، أو تخليها عن حلفائها الأكراد عندما لم تعد بحاجة إليهم.

الإعلام في العراق، على سبيل المثال، أصبح أداة لتضليل الرأي العام، حيث يتم التركيز على الجوانب السلبية للدور الروسي، دون الحديث عن الأخطاء الاستراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا. وهذا النهج ليس فقط غير أخلاقي، بل إنه خطير على مستقبل البلاد، لأنه يجعلها عرضة للابتزاز والتلاعب من قبل القوى الكبرى.

الخلاصة: المتغطي بالأمريكان عريان
الدرس المستفاد من الملف الأوكراني واضح: الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي هو وهم كبير. فواشنطن لا ترى في حلفائها سوى أدوات لتحقيق أهدافها، وتتخلى عنهم عندما يصبحون غير مفيدين. وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع، سواء في أوكرانيا أو العراق أو أي مكان آخر.

نعم المتغطي بالأمريكان عريان، لأن الثقة بهم ليست سوى وهم. وعلى الدول أن تعيد النظر في سياساتها الخارجية، وأن تسعى لبناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، بدلاً من الانحياز الأعمى لطرف واحد. فالعالم يتغير، والمستقبل سيكون للدول التي تعرف كيف تحمي مصالحها الوطنية دون الاعتماد على الآخرين.

إرسال التعليق