قضية هدم المسجد العتيق بمداوروش

فوزي مصباح

*
كنا أطفالا حين فتحنا عيوننا ووجدنا أنفسنا في كنف قرية لكنها ليست ككل القرى فهي بموقعها وطابعها الجميل إضافة إلى تاريخها الكبير الضارب في عمق العهد البيزنطي، مرورا بثورة التحرير المجيدة.
ثم كبرنا على هذه المناظر الجميلة لبعض المعالم التي تخلّد ذكريات عزيزة بين مدرسة قديمة ومسجد عتيق ومطحنة تذكّرنا بفرنسا المحتلّة وجنودها الغزاة، وهنا تم الإطاحة بالقوّاد ”الجربي“ من خلال عملية فدائيّة، و أمام حانة ”البرشني“ سبّالة تُسمّى ”عين قوبع“… وارتبطنا وجدانيّا بهذه المعالم التي بمجرّد ذكرها تحيي في نفوس أصحابها تلك المشاعر.
اليوم وبعد هذا النّزوح الرّيفي الذي شهده (مداوروش) لم يعد هناك حديث عن معلم ولا تاريخ. لقد تعرّض (مداوروش) لغزو شنيع أتى على الأخضر واليابس، ولم يبق من (مداوروش) سوى الاسم.
ولعل هذا ما جعل بعض أبنائه؛ خاصّة منهم الذين تغرّبوا ولم تعد تربطهم به سوى الذكريات الجميلة، يتفاجؤون باندثار تلك المعالم التي تعوّدوا على رؤيتها وهم صغار وكبرتْ معهم وربما كان لدى بعض منهم صور بالأبيض والأسود، عند عودتهم إلى مسقط رأسهم. وهذا شيء طبيعي في كل إنسان أصيل. وهو ما دفع بعض منهم إلى توجيه اللّوم والانتقاد إلى الجهات التي قامت بعمليات الهدم، ومحو آثارها من الوجود.
من بين هذه المعالم التي لها امتداد يعود إلى ما قبل الثورة التحريريّة، نذكر على سبيل المثال: مسجد الإمام (على بن أبي طالب) الذي صدر بشأنه قرار الهدم وتم تشييد آخر على أنقاضه. وهو ما لم يرق لفئة معيّنة من الجيل القديم؛ بما في ذلك بعض المجاهدين.
وللعلم فإن عمليات الهدم والبناء تخضع لإجراءات قانونية مفروضة ومن الواجب احترامها من طرف الجميع، وتكون مستعجلة في حالات معيّنة تقتضيها المصلحة العمومية أو حين يُشكّل المبنى خطرا على أمن وسلامة المواطنين.. وأنا هنا أتحدّث كشخص لديه تجربة في الإدارة. ومن بين هذه الإجراءات هناك أخرى لديها علاقة ببعض المنشآت ذات الطابع الهام أو الخطير، بما في ذلك المعالم التاريخيّة… تنص على وجوب فتح تحقيق ما يسمّى بـ: [Enquête commodo-incommodo] يتمثّل هذا الإجراء في فتح سجل يتم من خلاله تدوين ملاحظات المواطنين؛ الموافقين والمعارضين للعملية.
قد تكون النوايا الحسنة من وراء هدم المسجد القديم بغرض التّسريع في تشييد آخر على أنقاضه تفاديا لوقوع كارثة. لكن هذا لا يعفي من ضرورة الاطّلاع على الإجراءات المنصوص عليها قانونا و الواجب اتّخاذها.
ويبقى الأهم من كل ذلك هو الآذان ومعه الصلوات الخمس التى تؤدّى يوميّا، والذي لم ولن ينقطع إلى يوم الدّين بإذن رب العالمين.
م. فوزي

إرسال التعليق