أسماء خالدة تحكي ملحمة تاريخها المجيد الحامل لريح فجر الإستقلال

جبريط حميدة بن سليمان بطل من أشاوس تاريخ ثورتنا التحريرية المجيدة بجنوب الجزائر.

ن الاستاذ نور الدين بامون

لولا تمسك الشعب الجزائري بدينه الحنيف ومبادئه الإسلامية وبعقيدته الروحية على درب خطى سلفه ونهجهم, ودرجة وعيه وحسه الوطني وغيرته بأنه لا حياة بدون حرية ولا كرامة بدون إسترجاع السيادة الوطنية ولا عيش في ظل الذل والقهر والهوان، شعب تسلح بإيمانه وبقناعة بأن الحرية تفتك وتأخذ ولا تمنح ولا نعطى، ولا حرية دون إستقلال ولا إستقلال دون إنتفاضة ولا جهاد. وأمام الوضع الكارثي الذي عاشته الجزائر عامة وجنوبها بشساعته خاصة، ولأجل تحقيق ذلك بات بكل تأكيد ويقين أنه لا مفر من الجهاد والإستعداد النفسي والجسدي والمعنوي قبل المادي. فقام بتأهب أهبة رجل واحد. جندته عقيدته ووحدته وطنيته ولم يمنعه أي مانع، رغم تباعد المسافات الشاسعة شساعة السماء والأرض وتباعد الأماكن شرقا وغربا شمالا و جنوبا .

إن التاريخ سجل وشهد وبصم بكل ثقله بعظمة الثورة الجزائرية ورجالها المخلصين الأوفياء, بمكانتها التي صنفت بثورة تحرير الشعوب لبلوغ مدى صداها عبر أرجاء المعمورة و زيارة عظماء الكفاح في التاريخ.

ثورة شعبية تحريرية إستمدت قوتها من قوة شعبها وتضامنه وتجنده على كل الجبهات خاصة بعد تفجير ثورة الفاتح نوفمبر على بركة الله. وصول أخبار المعارك الضارية والهجمات المتكررة والضربات الموجعة التي ألحقت بالعدو الفرنسي المستدمر الغاشم في كل جهات الوطن مدن وقرى جبال وصحاري إلخ……..

ثورة أصبحت منبرا إعلاميا يتردد صداه على أمواج أثير نضال وجهاد الأشاوس الأحرار الهاجس الذي بات مخيفا يشكل خطرا على العدو، وقوة ضاربة موجعة له لم يكن يتوقعها ولا يتصورها، خاصة بعد توسع ثورة التحرير وإمتداد فروع قواعدها وهيكلة مناطقها وإنشاء قسماتها عبر القطر الجزائري، وضم صوت الجنوب إلى صوت باقي الجهات بكل قوة مهابة لا يستهان به .

فرغم بعد المدن عن بعضها البعض إتساع رقعة الصحراء المترامية الأطراف هنا وهناك من الهقار إلى الطاسيلي ومن توات إلى تيدكيلت ومن الواحات الحمراء إلى واحة الشبكة بصحراء ميزاب عامة ومنها إلى تراب بلاد 44والي حصن قصر بنت الخص التاريخي العريق وإلى الشمال ومنها إلى القطاع الوهراني بالغرب الجزائري.

ومن هاته المناطق والمدن نجد المنيعة تهورت التاريخية. التي نشط فيها جيش التحرير الذي التحق بثورة التحرير المقدسة وسجل اسمه ضمن جنيس بالموسوعة التاريخية في الجهاد والبطولات والمعارك الضارية العديدة بترابها وضواحيها بفضل تضحيات وتحضيرات الرعيل الأول لثورة التحرير، المتشبع بالوطنية وحسها, منهم على سبيل الذكر لا الحصر عائلة جبريط الثورية المجاهدة عن كابر. التي خرج من رحمها المناضل والسياسي والمجاهد والشهيد والوطني المكافح إلخ……………

ومن بين هاته العائلة الثورية عائلة جبريط من أوصول شعانبة متليلي, تفجرت طاقة الفتى المناضل الشاب مجاهد المستقبل بكل ما تحمل الكلمة من معنى ووصف, الذي كرس زهرة شبابه للكفاح المتواصل ضد المحتل وتحرير البلاد من نير الإستدمار الفرنسي.

ومن هذا المنبر وبالمناسبة التاريخية المزدوجة ليوم المجاهد 20 أوت وتاريخ هجومات الشمال القسنطيني نعرج من خلال هاته الومضة على جوانب من النضال المدني والثوري العسكري المستميت للراحل الفقيد العم جبريط أحمد بن سليمان المدعو حميدة.

بتسليط الضوء على الكفاح الذي قاده هذا المناضل الثائر لتعبئة سكان المنطقة للإلتفاف حول القضية الوطنية، وكذا إبراز النشاط الواسع لهذه الشخصية في الكفاح ضد الإستدمار الفرنسي الغاشم.

فصفات هذا المجاهد الذي ناضل في صفوف الحركة الوطنية قبل أن يلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني، بتمتع بشجاعته رضعها حتى الثمالة عن كابر من وسط عائلة محافظة متماسكة قوية لا تهاب إلى الله سبحانه وتعالى وكلمتها رصاصة قاتلة إن خرجت لا تعود ولا تترك شيء لا أخضر و لا يابس إلا وأتت عليه.

الراحل العم جبريط حميدة كان معروفا بأفعاله وخصاله التي لا تعد ولا تحصى ونضاله وحياته المهنية غداة الإستقلال،

            المجاهد جبريط حميدة سيرة ومسار ( 1926 ـ 2016 )

                                 أصله ونسبه:

المجاهد جبريط أحمد -الإسم الثوري حميدة, من أسرة محافظة وملتزمة ثورية جهادية, من البدو الرحل أصلا عصر زمانهم, أهل الجود والكرم والأنفة والشجاعة والبسالة. نشأ ونما في أحضان عائلة بسيطة ومتواضعة، تعيش كسائر الأسر في هذه المنطقة، تعتمد على الرعي والزراعة والتجارة لكسب قوتها عن كابر, من أصول من عرش الشعانبة من قصر متليلي العريق بولاية غرداية حاليا, أسرة ثورية. منها الشهيد جبريط علي. والمجاهد الحاج محمد جبريط, صاحب الإسم الثوري مصدق، والضابط جبريط مصطفى من إطارات مدرسة أشبال الثورة والشاعر جبريط الحاج بحوص وغيرهم من قامات وأعيان العرش.

وبحكم إنتسابه لعائلة جبريط من أصول الشعانبة التي ينحدر منها، وقد كان لهذه الأصول تأثير عميق في تكوين شخصيته والتي ساهمت في تحديد ملامحه الوطنية مناضلا ومجاهدا وقائدا عسكريا منحكا.

المولد والنشأة:

ولد المجاهد جبريط أحمد بن سليمان ( المعروف بـجبريط حميدة ) ولأمه عمراني عائشة. بمدينة المنيعة بلاد 44 ولي صالح المجاهدة خلال سنة 1926م.

تعليمه القرآني الديني والنظامي:

عندما بلغ سن التمدرس، إنضم إلى كتاتيب مدينته بقية أقرانه، حيث إنغمس في تعلم حفظ القرآن الكريم، وسعى جاهدا حتى إستطاع تلقي تعليمه الديني الأول بمساجد المنيعة, إحدى حواضر العلم والتربية, وإنكب على حفظ كتاب الله والتشبع بمبادئ الشريعة الإسلامية وعلى القومية الوطنية. تلقى تربيةً إسلاميَة حميدة مستمدة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.

معلميه وشيوخه:

تتلمذ المجاهد جبريط حميدة على بعض مشايخ ومعلمي المنيعة أيامها وأنتقل بعد ذلك للتعلم على يد الأستاذ الشهير الطالب محمد الصوفي ( الوافد من مدينة تيميمون بالواحات الحمراء بالجنوب الكبير الذي واصل تعليم القران بحي الحديقة العريق بمتليلي الشعانبة ووافته المنية بها ودفن بها). وذلك بالمدرسة القرآنية بمسقط رأسه المنيعة, بحيث للعلم كان المجاهد جبريط حميدة يتقن بشكل جيد اللغتين العربية و الفرنسية.

عــمــلـــــــــه:

بعد تلقيه وافر من العلم والقراءة والكتابة وما تيسر من كتاب الله, وككل شاب يافع مقبل على الحياة المهنية طلبا للرزق. ولج سوق العمل, ودخل عالم التجارة من أسوع أبوابه, مشتغلا فيها مع والده جبريط الحاج سليمان بن علي. أحد كبار الشخصيات من تجار الشعانبة بمنطقة الجنوب.

نضاله وحسه الوطني:

حيث أجتهد وعمل بجد. مسار حياته هذا يظهِر عزمه وإصراره على تحقيق النجاح في كل مجال يخوضه. من وراء هذه السطور البسيطة تبرز قصة بطلٍ شاب نشأ في تلك البيئة الصحراوية المتواضعة والحياة البسيطة، وصعد بعزيمته وجهوده إلى مستويات حفزته ومكنته من بناء ثقته بنفسه.

إنضم إلى صفوف الحركة الوطنية لإنتصار الحريات MDLT في مرحلة مبكرة من حياته. كان من بين الأوائل الذين إنخرطوا في صفوف المناضلين، الذين إرتشفوا روح التحرير وشهدوا فجر الثورة التحريرية في منطقة الجزائر، تحت إشراف القيادات الوطنية الثورية البارزة.

ككل شاب غيور على دينه وعرضه ووطنه و عروبته وهويته وقوميته, رافضا للظلم و الإضطهاد و ما عاشه الشعب الجزائري عامة من ويلات الإستدمار. قد دفعه حسه الوطني للإلتحاق مبكرا بحركة إنتصار الحريات الديمقراطية MTLD سنة 1948 م.

إعتقاله وسجنه:

ولكن سرعان ما أكتشف أمره للعدو الفرنسي. وتم إعتقاله سنة 1949 م من لدن السلطات الفرنسية الإستدمارية بتهمة التعاون مع مراقب الحزب بالحاج العرابي.

نفيه من المنيعة :

بعد خروج المجاهد جبريط حميدة من السجن قام الحاكم العسكري بنفيه من مدينة المنيعة, حيث مكث أياما عند أفراد عائلته في مدينة غرداية جوهرة الواحات . وبعد مدة شد الرحال بعدها للجزائر العاصمة لمواصلة نشاطه النضالي والسياسي. في خلايا حزب حركة إنتصار الحريات الديمقراطيةMTLD.

زيارته للزعيم الحزب مصالي الحاج:

حبه للنشاط النضالي والسياسي ورغبة في مزيد التعرف والإحتكاك بالقادة وزعماء الحركة الوطنية, فزار زعيم الحزب مصالي الحاج في مدينة بوزريعة سنة 1951م.

نشاطه النضالي في توزيع المنشورات الحزبية:

واصل المجاهد جبريط حميدة نشاطه غير أبه بأي أحد من سلطات الإستدمار. وبإكتشاف أمره وضبطه. عمدت الشرطة الفرنسية بإلقاء القبض عليه عدة مرات أثناء توزيعه لمناشير الحزب.

إنخراطه وإلتحاقه بصفوف جيش التحرير:

عندما إندلعت ثورة التحرير الوطنية 01 نوفمبر 1954. المباركة عادة لمسقط رأسه المنيعة ومنها إلتحق بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957 م بالولاية الخامسة المنطقة الثامنة.

مهامه بجيش التحرير الوطني:

عين المجاهد جبريط حميدة. في منصب كاتبا للكتيبة الأولى, القسمة الثالثة, من الناحية الثالثة بالبيض.

مشاركته في معارك حرب التحرير:

شارك المجاهد جبيرط حميدة في عدة معارك ضارية وخاضها بكل شجاعة وبسالة.

مهامه خارج الوطن في صفوف جيش التحرير:

توجه المجاهد جبريط حميدة للمغرب أواخر سنة 1958م. حيث أسندت له عدة مهام في قطاع التسليح والتموين.

عودته للوطن و مهامه العسكرية داخله:

عام المجاهد لآرض الوطن وأختتم مشواره الجهادي العسكري بمصلحة العتاد بالولاية الخامسة وبالقاعدة الغربية.

تقلده للرتب العسكرية:

تقلد المجاهد جبريط حميدة عدة رتب عسكرية بجيش التحرير الوطني خلال مساره الجاهدي, متدرجا من رتبة ودرجة إلى أخرى. إلى غاية أن وصل إلى رتبة ملازم أول مختتما بها مشوراه العسكري .

نشاطه ووظائفه بعد الإستغلال:

بعد إستقلال الجزائر سنة 1962م. ككل مواطن انتقل للحياة المدنية طلبا للرزق وسعيا لتوفير لقمة العيش لعائلته. بحيث عمل بشركة CREPS البترولية ثم تحول لشركة سوناطراك بمنطقة عين أميناس البترولية جنوب الجزائري.

                             الإعتراف له بعضوية جيش التحرير الوطني:

إعترافا له بعضوية جيش التحرير الوطني ومشاركته الثورية منحت له شهادة العضوية بسجل أعضاء جيش التحرير الوطني. من سنة 1955 إلى 1962 تاريخ الإستقلال من طرف لجنة الجيش بتاريخ 01 جوان 1970. تحت الرقم الوطني 20085.

تكريمه وتخليد أسمه:

كبقية المجاهدين كرم الفقيد جبريط حميدة بوسام الإستحقاق. كما قامت سلطات ولاية وهران ومنظمة المجاهدين بتسمية متوسطة تعليمية بإسمه تخليدا لإسمه الثوري وعرفانا بنشاطه وجهاده.

ختام حياته:

بعد تقاعده وإنهاء مساره المهني. إستقر في سكناه بحي المجاهدين بمنطقة كانستال بوهران بالغرب الجزائري ملتفا حول عائلته وأبنائه, ليشتد به المرض في أواخر حياته ويسلم الروح لبارئها بعد معناة وصراع.

وفاته و دفنه:

فارق الحياة المجاهد جبريط حميدة يوم الأحد 04 سبتمبر 2016م ولفظ أنفاسه الأخيرة بمقر سكناه عن عمر ناهز الـ 90 سنة و وارى جثمانه الثرى بمقبرة بلقايد بوهران, في جو جنائز مهيب بحضور الأهل والأقارب والأصدقاء ورفقاء الجهاد. اللهم أغفر له وأرحمه, إنا لله و إنا إليه راجعون .

الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون – عضو المجلس الوطني للمنظمة الوطنية الجزائرية لأبناء المجاهدين أمين ولائي سابق مكلف بالدراسات والأبحاث التاريخية بأمانة ولاية غرداية جنوب الجزائر.

إرسال التعليق