الجزائر-فرنسا: صرامة الجزائر والتحول الفرنسي
زكرياء حبيبي
الخرجة الأخيرة لوزير الشؤون الخارجية والحالية الوطنية بالخارج، أحمد عطاف، بمناسبة انعقاد ندوة صحفية بمقر وزارة الخارجية حول موضوع الإجراءات التي تعتزم الجزائر اتخاذها للرد على خيانة وطعنة نزيل قصر الإليزيه ورسالة الاعتراف بالمخطط المغربي للحكم الذاتي في الصحراء الغربية كحل لهذا الصراع، وسحب السفير الجزائري بباريس، أخرجت كل المُروجين للاستعمار الجديد وبيادقهم من جحورهم.
وفي انتظار الإعلان عن الإجراءات المناسبة، وفي مستوى خيانة ماكرون، الذي تستمر أكاذيبه منذ 2017، تاريخ تصريحاته التي وصف فيها الاستعمار الفرنسي بالجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك تصريحاته الفاضحة عن “عدم وجود الأمة الجزائرية” قبل 5 يوليو 1962، بالإضافة إلى سياسة الهروب إلى الأمام التي ينتهجها فيما يخص ملف الذاكرة، يبدو أن الطبقة السياسية الفرنسية ووسائل إعلامها التابعة للدولة العميقة “فهمت” الرسالة التي نقلها وعبر عنها رئيس الدبلوماسية الجزائرية.
ومن بين الأصوات السياسية وأذرع الدولة الفرنسية العميقة، نذكر البيان الصحفي للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي راح يدين أحادية القرار الذي اتخذه الرئيس الفرنسي بشأن اعترافه بـ”مخطط الحكم الذاتي المغربي” الذي عبر عنه في رسالة موجهة إلى ملك المغرب، بمناسبة الذكرى 25 لتنصيبه على رأس النظام المخزني.
وبكل وقاحة، يُحاول الحزب الاشتراكي أن يُفهمنا أن الحزب متفاجئ من هذا القرار، علما أن هذا القرار اتُخذ سنة 2007 عندما قدمت فرنسا وبيدقها النظام المغربي هذا الاقتراح إلى أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، خلال هذه الفترة.
وهو الاقتراح الذي رفضه باقي أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذين تمسكوا بقرار إجراء استفتاء حول تقرير مصير الشعب الصحراوي، تحت رعاية المنظمة الأممية.
هذا الحزب الاشتراكي الذي تخلى عن حليفه الدوري في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حزب فرنسا الأبية بزعامة جان لوك ميلينشون من أجل منصب رئيس الحكومة المقبل لصالح المرشح الماكروني، أبان دوما عن عدائه تجاه الجزائر منذ عهد الجمهورية الرابعة، مروراً بفترة حرب التحرير، وما بعد الاستقلال، وفترة العشرية السوداء، حيث دعم الحزب المُحل علناً، أي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ثم الجماعات الإرهابية عبر “من يقتل من”، ووصولا إلى فرانسوا هولاند الذي طالما دعم المخزن على حساب الجزائر ومواقفه الثابتة فيما يتعلق بالقضايا الدولية مثل ليبيا وسوريا والساحل.
فكيف تفاجأ الحزب الاشتراكي من قرار ماكرون، في حين لم يتوقف يوما خصومهم السياسيون من اليمين واليمين الفرنسي المتطرف وأدواتهم السياسية الإعلامية بالمطالبة بذلك من نزيل قصر الإليزيه؟.
ومن الواضح اليوم، أن الأخير استسلم لمطالب أصدقاء نظام المخزن وامتيازاته من فنادق فخمة وسهرات ماجنة، من أجل تعيين مرشحه على رأس “ماتينيون”. وهو المرشح الذي سيحظى بدعم الحزب الاشتراكي، الذي يخشى من تضرر أرباح الشركات الفرنسية الكبرى مثل توتال إنرجي، وبي أن بي باريبا، ولافارج وأنجي، ومكاتب التأمين والدراسات والاستشارات، في الجزائر، كما كان الحال مع إسبانيا بعد خيانة وطعنة رئيس مجلس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
علاوة على ذلك، يتم الترويج لهذه المقاربة بطريقة خبيثة من خلال منشور للسفير الفرنسي السابق كزافييه دريانكور، الذي أصبح معاديا بشدة للجزائر، والذي أشار إلى أن “الشركات الفرنسية لديها مصالح أكثر في المغرب من الجزائر”.
فالوكيل “الدبلوماسي” للمديرية العامة للأمن الخارجي يعلم جيدا أن عهد الأوليغارشية والتحويل غير القانوني لمبالغ ضخمة من الجزائر إلى بلاده قد ولّى. وأن كذبة الشراكة الاقتصادية والثقافية قد سقطت في الماء، في أعقاب الأضرار المالية التي خلفتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، للجزائر من 2005 إلى 2020، والتي تتأرجح بين 250 إلى 300 مليار أورو، وكانت الشركات الفرنسية المستفيد الأكبر.
وهي الشركات التي جعلت من الجزائر سوقا أو بالأحرى “بازارا” لبيع منتجاتها ولم تكن في نيتها البتة بناء شراكة مربحة للجانبين.
وليس قبيل الصدفة أن تُصدر مجلة “لوبوان” مقالا “تحت الطلب” مليئا بالأكاذيب حول مخاوف “رجال الأعمال الجزائريين” من تداعيات هذا القرار المُتخذ من قبل ماكرون.
وتتجاهل “لوبوان” أن الشركات الفرنسية هي التي تدر مليارات اليورو كل عام، وهي التي ستكون أكثر قلقا وستعاني من تداعيات قرار الجزائر وليس المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين الحقيقيين.
واليوم، تُرافع الجزائر، تحت قيادة رئيسها عبد المجيد تبون، إلى تخفيض فاتورة الاستيراد، وتنمية مواردها من قبل أبنائها في القطاعين العام والخاص، مع الدعوة إلى تنويع تعاونها على نقل التكنولوجيا والشراكة ذات المنفعة المتبادلة مع شركائها الأجانب.
واليوم بات من الضروري إدراج احترام مواقف الجزائر في إنجاز المشاريع المشتركة مع الشركاء، حفاظا على مصالح البلاد.



إرسال التعليق