المهم يترشّح… أمّا الكفاءة فشيء زائد

*
رشيد مصباح (فوزي)
*
لم يعد الحديث عن البرامج الانتخابية يُتعب أحدا، ولا عن الرؤى ولا عن خطط التنمية ولا عن الكفاءة والنزاهة. كلّ ذلك صار من كماليات الخطاب السياسي، أشبه بالديكور الذي يُستعمل مرة كل خمس سنوات ثم يُعاد إلى الأرشيف. المهم اليوم هو أن يترشّح الشخص، لا يهم إن كان مؤهّلا أو جاهلا، نزيها أو فاسدا، من بني البشر أو من كائنات لم تُصنّف بعد في كتب الأحياء السياسيّة.
الناخب بدوره لا يسأل المترشّح ولا يبحث إن كان مؤهّلا أم لا؟
المهم أن يكون من المعارف وبإمكانه أن يقدّم خدمة بغرض الحصول على وظيفة.. مشروع.. سكن.. أو أيّ خدمة من التي يقدر عليها.
لماذا لا تختار الأحزاب كفاءات حقيقية؟ ولماذا لا تفرض السّلطات، خصوصًا على المستوى المحلّي، شرط الكفاءة والنزاهة للترشّح لرئاسة البلديات؟
لأن ذلك لا يخدم أحدا سواء في أعلى الهرم أو في أسفله.
فالسّلطة لا تريد منتخبين أقوياء، بل قابلين للتوجيه، سهلَيّ الانقياد، يُدارون بالهاتف والإشارة، لا بالعقل والقانون.
لهذا، لم ولن يتغيّر شيء في البلديات، لا اليوم ولا غدا.. ستظل البلدية تحت وصاية رئيس الدائرة، ورقابة القابض البلدي، وتحت رحمة تعليمات لا تُكتب لكنها تُنفّذ. وسيبقى المنتخب المحلي مجرّد ”عون إداري“ بكوستيمة وربطة عنق، لا يوقّع إلا بإذن، ولا يتحرّك إلا بعد موافقة، ولا يحلم إلا في حدود ما يُسمح له أن يحلم به.
أمّا المواطن، فهو شريك فعلي في هذه المسرحية العبثية. لا يبحث إلّـا عن مصلحته الآنية الضيّقة: رخصة، سكن، إعانة، خدمة صغيرة… ولو كان الثمن هو شلل التنمية لعشر سنوات قادمة. لا يهم، فالمستقبل مشكلة الأجيال القادمة.
وفي أعلى الهرم، سلطة مركزية تدّعي الحرص على راحة المواطن، لكنها تفضّل عدم التدخّل، لأن الفوضى المحكومة أفضل من إصلاح حقيقي قد يخرج عن السيطرة. بلدية ضعيفة، منتخبون بلا صلاحيات، ونظام وصاية خانق… مع انتخابات منتظمة لتجميل الصورة لا أكثر.
فكيف لبلدية أن تنهض، وهي بلا قرار، وبلا ميزانية حرة، وبلا مبادرة؟
كيف لمنتخب محلّي أن يُحاسَب، وهو مقيّد؟
وكيف نطلب النزاهة ممن نريده أن يبقى تابعا؟
ومع ذلك، تجد الحماس المحموم للترشّح، وتجاهلا تامّا لكل هذا الواقع. ما يدلّ، للأسف، على غياب الضمير قبل غياب الكفاءة. فلو كان الهدف خدمة الصالح العام، لكان الترشّح مشروطا بإصلاح المنظومة لا بالاندماج فيها. لكن الحقيقة المرّة هو أن هؤلاء يترشّحون لا ليخدموا البلدية، بل لتخدمهم البلدية.
في النهاية، لا انتخابات تغيّر واقعا صُمّم كي لا يتغيّر، ولا بلديات تنهض بمنتخبين صُنعوا ليكونوا بيادق.
والمهم… كما قيل منذ البداية: أن يترشّح.



