
حمدي سيد محمد محمود
الاقتصاد السياسي، باعتباره علمًا يدرس العلاقات المتشابكة بين السلطة والمال، وبين السياسات العامة والأسواق، لم يعد بمنأى عن التحولات التكنولوجية المتسارعة، خاصة مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت تعيد تشكيل البنية العميقة للأنظمة الاقتصادية والمؤسسات السياسية على حدّ سواء. فمنذ نشأة الاقتصاد السياسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر كمجال لدراسة أنماط الإنتاج والتوزيع والثروة في إطار الدولة، ظلّ هذا الحقل المعرفي أسيرًا للتوازنات البشرية والمؤسساتية التقليدية. إلا أن دخول الذكاء الاصطناعي على خط هذا العلم فتح أفقًا جديدًا يعيد صياغة مفاهيم مثل العمل، والقيمة، والسلطة، والتنمية، بل ويطرح تساؤلات جذرية حول مستقبل الدولة نفسها في ظل اقتصاد ما بعد الإنسان.
لقد بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي بتغيير قواعد اللعبة الاقتصادية من خلال الأتمتة الواسعة للوظائف، وتحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بالسلوك الاستهلاكي، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية. ففي حين كانت اليد العاملة تمثل أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والسياسية في العقود السابقة، فإن الذكاء الاصطناعي يهدد بإقصاء عدد كبير من الوظائف البشرية، وخلق فجوة هائلة بين الدول القادرة على امتلاك تقنياته وتوظيفها، وتلك التي ستتخلف عن الركب. الأمر الذي يفرض على الاقتصاد السياسي الكلاسيكي مراجعة نظرياته حول التوزيع العادل، وسياسات الرفاه، والعدالة الاجتماعية، في عالم تحكمه الخوارزميات وتديره الشركات التقنية العابرة للحدود أكثر مما تحكمه الدول الوطنية.
كما أن العلاقة بين رأس المال والذكاء الاصطناعي تثير إشكاليات عميقة حول تركّز الثروة في أيدي قلة تسيطر على أدوات المعرفة والتكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي لا يُنتج ذاته ذاتيًا، بل يتطلب بيئة استثمارية ضخمة ومراكز بحثية متقدمة وشبكات بيانات عملاقة. وهو ما يخلق نوعًا جديدًا من الاحتكار لم تشهده الرأسمالية من قبل، حيث تنتقل القوة من الأسواق التقليدية إلى “أسواق الذكاء” التي تُديرها شركات مثل غوغل وأمازون وتينسنت، ما يكرّس نظامًا اقتصاديًا عالميًا قائمًا على اللاعدالة المعرفية، واللامساواة الرقمية، وهيمنة طبقة جديدة من “الأرستقراطية التكنولوجية”.
وعلى الصعيد السياسي، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام استخدام أدوات تحليل سلوكي وسياسات توجيه دقيقة تُعيد رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. إذ لم تعد الدولة بحاجة إلى قمع تقليدي أو إلى مراقبة ميدانية طالما أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل تفاعلات المواطنين، وتوجيه الرأي العام، وصناعة الإجماع أو تفكيكه دون عنف مادي. وهو ما يدفع عددًا من مفكري الاقتصاد السياسي المعاصرين إلى التنبيه من نشوء أنظمة سلطوية رقمية ترتكز على الذكاء الاصطناعي كأداة للهيمنة وليس للتحرر، في ظل غياب تنظيم عالمي رادع يحمي المجتمعات من سوء استخدام هذه التقنيات.
إن الآفاق المستقبلية لتطور علم الاقتصاد السياسي في عصر الذكاء الاصطناعي تتمثل في قدرته على تجاوز المفاهيم التقليدية نحو نماذج تحليلية جديدة تراعي البعد التكنولوجي في تفسير الظواهر الاقتصادية والسياسية. لم يعد ممكنًا الحديث عن العرض والطلب، والسلع والخدمات، دون فهم دور الخوارزميات في تسعير الأسواق، ودور الذكاء الاصطناعي في تحديد قيمة العمل البشري. كما لم يعد ممكنًا دراسة التنمية دون تحليل البنية الرقمية، والبيئة السيبرانية، ومستوى الأمن الرقمي للدول. لذلك، فإن الاقتصاد السياسي الجديد مطالب بتوسيع أدواته لتشمل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومراقبة ديناميات القوة الجديدة التي تتحرك في فضاء غير مرئي لكنه شديد الفاعلية.
إننا أمام لحظة مفصلية في تاريخ الاقتصاد السياسي، لحظة تؤذن بإعادة هيكلة المنظومة الكلية للفكر الاقتصادي والسياسي في ضوء ما تتيحه تقنيات الذكاء الاصطناعي من إمكانات، وما تفرضه من تحديات. وإن لم يواكب هذا العلم تلك التحولات بمناهج تحليلية جديدة ونقد جذري للهياكل القديمة، فسيغدو مجرد سردية من الماضي في عالم تحكمه خوارزميات المستقبل.



