الفرنكفونيّة الدّونيّة.. عقدة اللّغة والتاريخ

رشيد مصباح (فوزي)
لا تزال عُقدة اللغة الفرنسية تعبث بضمائر بعض الجزائريين، باعتبارها ”شهادة تفوّق زائف“، لا بوصفها وسيلة تواصل أو أداة معرفة، و وسما ثقافيّا يميّز ”النُّخبة“ عن ”العامّة“. عقدة يحملها جيل وُلد بعد الاستقلال، ونجا من محاولات طمس الهوية، لكنه سقط في هوّة، أو قل إن شئت مستنقع، يسمّيه بعض الغيورين، على دينهم وعروبيّتهم: ”احتقار الذات“.
الأدهى من ذلك كلّه، أنّ بعض من يقدّمون أنفسهم اليوم بوصفهم ”نخبا فكريّة“ لا يجدون حرجا في شيطنة العروبة، وتشويه الوجود العثماني، ووصم كل ما هو عربي إسلامي بالغزو والتخلّف، بينما يتمسّكون، بوعي أو بدونه، بلغة الاستعمار، و ايديولوجيته، ورؤيته للعالم، في تناقض صارخ مع المبادئ التي ضحّى من أجلها الشعب الجزائري.
هذه النّخب لم تغادر ذهنيّا، ولا أخلاقيّا حتى، مكاتب الإدارة الاستعمارية، ولا تزال تردّد خطابها بصيّاغات حديثة، متناسية أن العالم قد تغيّر، وأن موازين القوّة والمعرفة لم تعد تُقاس بلغة ”موليير وبودلير..“، بل بالإنتاج، والبحث، والابتكار. ومع ذلك، يصرّون على اجترار ”أساطير بائدة“ لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما الواقع الاجتماعي ينهار تحت أقدام المواطنين.
ففي الوقت الذي يُرهق فيه الجزائري بغلاء معيشة غير مسبوق، وتُستنزف قدرته الشرائية، ويستقبل شهر رمضان بجيوب فارغة ونفوس منهكة.. تنشغل هذه ”النّخب العاجيّة“ بمعارك وهميّة حول الهويّة والتّاريخ، وتخوض حروبا ”دنكشوطية“ على المنصّات الافتراضية، وكأنّ المواطن مجرّد رقم هامشي في خطابهم المتعجرف المتعالي.
كان الأجدر بهؤلاء ”المرفّهين“ أن ينزلوا قليلًـا من أبراجهم ”العاجيّة“، وأن يعترفوا بأن السيّاسات التي صمتوا عنها، و باركوها، و برّروها.. قد أوصلت الموّاطن إلى حافّة الاختناق. وأن الحكومات، والتي تشكّلت على أساس الولاءات لا الكفاءات، قد استنفدت رصيدها، ولم يعد لديها ما تقدّمه سوى ”الشّعارات الجوفاء“.
ألا يستحي هؤلاء، ومن يدور في فلكهم؛ من متملّقين ومداهنين.. من الغوغاء و العبيد، باختلاف ألوانهم وأشكالهم، من هذا القدر من النرجسيّة الفارغة؟
ألا يدركون أن إثارة قضايا التّاريخ والانتماء، صحيحة كانت أم مفبركة، لا تدفئ بيتا، ولا تُطعم جائعا، ولا تحفظ كرامة؟
ما جدوى حكايات عافها الزمن، وهذا المواطن يُعامَل اليوم ”كمواطن من الدرجة الثانية“، في وطن يُدار بالخطابات الشعبوية المقيتة، لا بالحلول النّاجعة؟
ما لهذه العقلية لا تزال ترى نفسها أرقى من غيرها، وأبعد ما تكون عن واقع بلد يدفع ثمن الاغتراب كل يوم؟



