ساعة اليد المتواضعة: الزمن مرآت للطبقات

مظهر محمد صالح
في زحمة الحياة، حيث تتسابق العقارب وتتشابك القيم، تظل ساعة اليد قطعة صغيرة تختزن في داخلها فلسفة الزمن، وتبوح بما لا يُقال. انها ليست مجرد أداة لضبط المواعيد، بل مرآة خفية تعكس طبقات المجتمع، وتفضح التفاوت بين من يكدّ ليعيش، ومن يتفاخر ليُرى.
اذ غدت ساعة اليد في مجتمعاتنا الشرقية، لا سيما تلك التي تعيش على ريع النفط والاستهلاك المفرط، رمزًا للتمايز الاجتماعي وميدانًا للتفاخر بالثروة. فما بين ساعات مترفة مرصّعة بالذهب والمعادن الثمينة، وساعات بلاستيكية رقيقة تلازم معاصم الكادحين، ينكشف المشهد الطبقي بكل تبايناته وحدّته.
اذ لا تُروى وتُقاس أعمار الرجال بالدقائق، بل بطريقة عيشهم لها ،يوم قال احدهم:
ان الزمن لا يُقاس بما نملكه من ساعات، بل بما نملأ به تلك الساعات.
كنت في طريقي إلى مجلس عزاء لصديق عزيز حين لفتني هذا المشهد في تفاصيله الصغيرة، فعند نقطة تفتيش، أوقفنا رجل أمن، مبتسمًا وقال: “أراك شخصاً طيبًا وموظفًا بسيطًا، نزاهتك تظهر في ساعتك.” أثار قوله فضولي، فسألته: “وكيف عرفت ذلك؟”
تأمل لحظة ثم أجاب: “قضيت سنوات طويلة أقرأ عقارب الساعات وأقدّر أثمانها .فمن ثباتها ودقات عقاربها أستشفّ طبقات الناس، وأميّز بين من جمع قوته بعرق جبينه ومن اغتنى بغير جهد. فالساعات ليست مجرّد اشياء ، بل مرايا لزمن الرجال ومعادنهم.”
كانت كلماته تذكيرًا بعمق فلسفي خفي: أن الزمن لا يُقاس بالدقائق والساعات وحدها، بل بالكيفية التي يعيش بها الناس ويكسبون خلالها قوتهم.
هنا استحضرت قول ابن عربي: “الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّد.”
فالزمن في مجتمعاتنا ليس فقط وعاءً للعيش، بل حاملًا للطبقات، يكشف نزاهة الرجال أو فسادهم عبر ما يختارون أن يضعوه في معاصمهم .
غادرت الرجل … وهو يردد ،اعمل كما لو أنك تعيش أبداً، وعش كما لو أنك تموت غداً. فالساعات لا تقيس الوقت فقط، بل تقيس كيف نعيشه ذلك الوقت .ابتسمت وقلت له :
مكانك هذا بات مختبرًا للرجال، تقيسهم بدقات من وقت لا يتوقف.
هناك في مجلس العزاء، حيث توقّف الزمن فعليًا عند صديقي الراحل، أدركت أن ساعة اليد المتواضعة التي أهملها الكثيرون قد تحمل دلالات أعمق مما نتخيّل: إنها سجلّ حياة، ومرآة طبقية، وشاهد على سير الإنسان في زمن لا يتوقف. ويبدأ التأمل في من بقي على قيد الحياة ، وفي ساعة يدٍ متواضعة، كانت أصدق من كل مظاهر التفاخر وهي تنبض حين يتوقف الزمن عند أحدهم، و تبدأ الحياة في سؤالنا: كيف نعيش ما تبقّى؟”
انتهى ///



