
زكرياء حبيبي
من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لا تزال فرنسا، في خضم الانهيار الدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي، غير قادرة على التخلص من نموذجها الاستعماري الجديد، كما يتضح من نهضة شعوب الساحل وغرب إفريقيا، الذين يكافحون ويطالبون بإنهاء الإملاءات الفرنسية على مستقبلهم.
ولم يتأخر الشعب الجزائري وقادته للمطالبة وبصوت عال على ضرورة إعادة بناء علاقات جديدة مبنية على الاحترام والمنفعة المتبادلة لصالح شعبي الضفتين اللذان يجمعهما تاريخ مشترك.
إلا أن الإرادة الجزائرية عند كل فرصة لإعادة كتابة تاريخ جديد مشع، تصطدم بالنموذج الاستعماري الجديد الذي تتناقله طبقة فاشية وبرنامج سياسي تتجاوزه التحولات الجديدة التي يعيشها العالم والذي يتجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
ولتلخيص هذا الوضع بشكل جيد، لا بد من تحليل خطاب فرانسوا بايرو، رئيس الوزراء الفرنسي، الذي أفرزته الانتخابات التي خسرتها عصبة ماكرون، خلال التشريعيات المبكرة في الصيف الماضي.
هذا بايرو، رئيس الوزراء الفرنسي، تلاحقه فضيحة، يحكم بلاده بقاعدة “ديمقراطية” 49.3، ويتجرأ بكل وقاحة على التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر ذات السيادة بمناسبة اعتقال المواطن بوعلام صنصال، المتهم بالمساس بوحدة وسيادة البلاد.
بوعلام صنصال الذي أصبح دمية في أيدي أشباه الجزائريين والمخبرين المحليين بامتياز لليمين الفرنسي المتطرف، ولوزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو وللوكيل الدبلوماسي كزافييه دريانكور، علما أنه بحسب آخر الأخبار، يكون بوعلام صنصال قد أنهى مهمة المحامي الصهيوني فرانسوا زيمراي، صديق مرتكب الإبادة الجماعية بنيامين نتنياهو، وهو كذلك الذي وقف من وراء تهريب أميرة. بوراوي.
وتستمر هذه الطبقة السياسية، الراسخة في برنامج المستعمر السابق، في حبس جماجم مقاتلي المقاومة الجزائرية في صناديق معروضة في متاحفهم التي تبين “حضارتهم” كتذكارات للإبادة الجماعية التي ارتكبت في الجزائر. ولا تزال هذه الطبقة الاستعمارية الجديدة نفسها تحتجز الناشط اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، الذي من المفروض أن يطلق سراحه منذ أكثر من 25 عاماً.
إن القول بالسعي إلى النفوذ والضغط على الجزائر، كما أكد بوضوح فرانسوا بايرو، يكشف عن مستوى هذه الطبقة السياسية الفرنسية التي تهرف بما لا تعرف والتي لم تتعلم شيئا من التاريخ المشترك مع الجزائر.
اليوم، الجزائر ليست بلد العصابة، التي نجحت معها الأوليغارشية الفرنسية في نهب ثروات الشعب الجزائري عبر اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والتي كانت ضارة جدًا بالجزائر.
إن الحديث عن الضغط على الجزائر، من خلال الحديث عن التأشيرات أو اتفاقية 1968، يفضح الخداع المقصود بغرض الاستهلاك الداخلي. كما أن الجزائريين هم أول المواطنين في العالم الذين يتضررون من إجراءات منح التأشيرة، كما تشير الأرقام الرسمية للسلطات الفرنسية. فالجزائريون المرفوضون لا يحق لهم حتى الحصول على تعويض، في حين أن اتفاقيات 1968، التي تم تعديلها عدة مرات، هي شأن فرنسي فرنسي.
أما برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي، فقد تم الترويج لكراهيته العميقة للجزائريين بشكل مبالغ فيه، بمناسبة دعمه للشرطي المجرم المسؤول عن الاغتيال الدنيء للشاب ناءل في صيف 2023. كما يوضح فشله أمام المؤثر “دوالمن”، إحباط هذا الشخص الذي يجعل من مطاردة الجزائريين سجلا تجاريا سياسيا وانتخابيا تحسبا للانتخابات الرئاسية لسنة 2027.
وخرجته الأخيرة بعد حادثة أوت رين، الذي وصفها بأنها “هجوم إرهابي إسلامي”، سارع إلى نفيه المقربون من الضحية الذين أكدوا أنه كان عملاً ارتكبه شخص مختل عقلياً.
علاوة على ذلك، كيف يمكن أن نفسر أن هذه الطبقة التي تهاجم الإرهاب الإسلامي في الداخل عندها، تموله في الجزائر، وهو ما يلخص جيدا مخططات فرنسا الاستعمارية الجديدة التي تهدف إلى زعزعة استقرار الجزائر.
تحويل أنظار الرأي العام الفرنسي
إن التركيز على الجزائر هو البديل الوحيد أمام النظام الفرنسي، لإلهاء الفرنسيين عن مشاكلهم الحقيقية. ففرنسا تراكم الفشل والهزائم في أفريقيا (المغرب العربي والساحل) في أرمينيا ولبنان وخاصة في أوكرانيا حيث يطالب دونالد ترامب من باريس الوفاء بديونها المقدرة بـ 700 مليار دولار أمريكي، المتعاقد عليها مع واشنطن بدين إجمالي يتجاوز 3000 مليار يورو. ولا يمكن استبعاد احتمال حدوث ثورة شعبية في ضوء تدهور القدرة الشرائية للفرنسيين وانهيار الخدمات العامة. ولم يؤد الخطاب الشعبوي العزيز على اليمين المتطرف وأتباعه حول موضوع الهجرة إلا إلى عسكرة المجتمع الفرنسي.
في الختام، لا بد من التأكيد على أن الحزب الاشتراكي بقيادة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران كان أحد الداعمين الأقوياء للحزب المحل (الفيس)، الذي يستفيد أبواقه من المال والتغطية الإعلامية والإقامة وحرية التنقل على الأراضي الفرنسية. دعم يهدف إلى تفكيك الدولة الوطنية الجزائرية التي تم نيلها بتضحيات جسام. ففرانسوا ميتران، أحد جلادي الجزائريين خلال الجمهورية الفرنسية الرابعة، كان أحد رعاة الحصار المطبق على الجزائر خلال العشرية السوداء. والأمر نفسه ينطبق على ماري جورج بوفيه، الزعيمة السابقة للحزب الشيوعي الفرنسي التي دعت قبل بضع سنوات من على منصة الجمعية الوطنية الفرنسية إلى التدخل العسكري في الجزائر.
وحتى جان لوك ميلينشون، الذي كان يعتني بأعلام منظمة الماك الإرهابية، هو من أشد المؤيدين للاستعمار المغربي لأراضي الصحراء الغربية.
من جانبه، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وصف الاستعمار الفرنسي للجزائر في عام 2017 بأنه جريمة ضد الإنسانية، لم يحترم أبدًا أي التزام، وعكست تصريحاته حول عدم وجود الأمة الجزائرية نموذجه الاستعماري الجديد. والحديث قياس!



