في الواجهة

إسرائيل: صناعة رأي عام خائف ومُدجّن

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

المقال الرابع: يعتبر الإعلام في إسرائيل أداة من الأدوات الأيديولوجية المركزية التي تتصدر عملية بناء الروح الجماعية وتوجيه التصورات والرؤى والمواقف القومية. وعلى خلاف الإعلام في الأنظمة القمعية الذي يُفرض عليه بالقوة والملاحقة والتضييق التجند لصالح النظام والدفاع عن توجهاته، فإن الإعلام الإسرائيلي متجند بشكل طوعي لصالح الأيديولوجيا القومية والدفاع المستميت عما تقوم به الدولة وأجهزتها.
هذا التجنيد الطوعي يتجلى في تخلي العديد من وسائل الإعلام العبرية عن دورها المهني الأساسي المتمثل في نقل الحقيقة ومساءلة السلطة، واستبداله بدور الناطق غير الرسمي باسم المؤسسة الأمنية والعسكرية. فقد أصبح من المألوف أن تتبنى وسائل الإعلام الإسرائيلية الرواية الرسمية دون أي تشكيك أو مساءلة، وأن تمتنع عن نشر أي محتوى يمكن أن يتعارض مع هذه الرواية.
على سبيل المثال، يتحاشى الإعلام الإسرائيلي بمعظمه الخوض في قضايا أو طرح أسئلة تتحدى الخطاب الأمني والعسكري، ويتبنى ما يصدر عنه ويعيد نشره بشكل شبه كامل من دون أن يقوم بأي عملية نقد ومساءلة حقيقية. وهذا ما أشارت إليه الصحافية الإسرائيلية ورئيسة الهيئة الإدارية لمنظمة “بتسليم” أورلي نوي، حيث أكدت أن الصحافي الإسرائيلي كان دائماً أكثر ميلاً نحو الانتماء الوطني من كونه صحافياً محترفاً.
هذا التخلي عن الدور المهني يتجلى أيضاً في تغطية الأحداث العسكرية، حيث لا تقتصر التغطية على نقل الرواية العسكرية بدقة فحسب، بل تمتد للمساهمة في تجريد السكان الفلسطينيين من إنسانيتهم من خلال التجاهل في التغطية الإعلامية. فعندما يتم تجاهل فرد أو مجموعة من السكان في التغطية الإعلامية، يصبح استخدام العنف ضدهم مبرراً؛ فالغياب يجعل الضحية غير مرئية، مما يقلل من شعور الجاني بالذنب.
اختفاء أصوات النقد، أو تحوّلها إلى “ديكور ديمقراطي” يُستدعى للزينة ثم يُقصى
في ظل هذا المناخ من التجنيد الطوعي للإعلام، اختفت أصوات النقد الحقيقية من المشهد الإعلامي الإسرائيلي، أو تحولت إلى ما يمكن وصفه بـ”الديكور الديمقراطي” الذي يُستدعى للزينة ثم يُقصى. فقد أصبح من النادر أن نسمع أصواتاً إعلامية تنتقد السياسات الرسمية بشكل جذري، أو تطرح أسئلة صعبة حول الممارسات الأمنية والعسكرية.
وعندما تظهر مثل هذه الأصوات، فإنها غالباً ما تُقدم في سياق محدود ومقيد، وتُحاط بهالة من التشكيك والتقليل من أهميتها. وهذا يخلق وهماً بوجود تعددية إعلامية، بينما في الواقع هناك إجماع على الرواية الرسمية في القضايا المصيرية.
هذا الاختفاء لأصوات النقد يتجلى بوضوح في التغطية الإعلامية للصراع مع الفلسطينيين، حيث يندر أن نسمع أصواتاً تنتقد الممارسات العسكرية الإسرائيلية أو تتعاطف مع معاناة الفلسطينيين. وعندما تظهر مثل هذه الأصوات، فإنها سرعان ما تتعرض للتهميش والإقصاء، وأحياناً للتشهير والتحريض.
على سبيل المثال، تعرض العديد من الصحفيين الإسرائيليين الذين حاولوا تقديم تغطية متوازنة للصراع للتهديد والترهيب، وأحياناً للفصل من العمل. وهذا ما حدث مع الصحفي جدعون ليفي، الذي تعرض للتهديد بالقتل بسبب مقالاته التي تنتقد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
كما أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تمارس رقابة ذاتية صارمة، حيث تمتنع عن نشر أي محتوى يمكن أن يتعارض مع الرواية الرسمية. على سبيل المثال، يتخذ الإعلام القرار بعدم بث خطابات زعماء آخرين بزعم أنها “بروباغندا”، ويمتنع عن نشر فيديوهات أو صور قد تظهر معاناة الطرف الآخر بحجة أنها جزء من حرب نفسية. وبذا يصادر حق الجمهور الاسرائيلي في أن يعلم ويتخذ قراراته.
آليات صناعة رأي عام خائف ومدجّن
يعتمد الإعلام الإسرائيلي على عدة آليات لصناعة رأي عام خائف ومدجّن، من أبرزها:

  1. “تضخيم التهديدات الأمنية”: يقوم الإعلام بتضخيم التهديدات الأمنية وتصويرها على أنها وجودية، مما يخلق حالة من الخوف الدائم لدى الجمهور الإسرائيلي. وهذا الخوف يتم استثماره سياسياً لتبرير السياسات العنيفة والقمعية.
  2. “تجاهل معاناة الطرف الآخر”: يتجاهل الإعلام الإسرائيلي معاناة الفلسطينيين، ويركز فقط على معاناة الإسرائيليين، مما يخلق صورة مشوهة للصراع ويعزز الشعور بالضحية لدى الجمهور الإسرائيلي.
  3. “تقديم تفسيرات أحادية للأحداث”: يقدم الإعلام تفسيرات أحادية للأحداث، تتبنى الرواية الرسمية دون أي تشكيك أو مساءلة، مما يحرم الجمهور من فرصة الاطلاع على وجهات نظر مختلفة.
  4. “تهميش الأصوات النقدية”: يتم تهميش الأصوات النقدية وتصويرها على أنها هامشية أو حتى خائنة، مما يخلق مناخاً من الترهيب يمنع التعبير الحر عن الرأي.
  5. “استخدام لغة مشحونة عاطفياً”: يستخدم الإعلام لغة مشحونة عاطفياً لوصف الأحداث، مما يثير المشاعر القومية ويعزز الانقسام والكراهية.
    هذه الآليات مجتمعة تؤدي إلى صناعة رأي عام خائف ومدجّن، غير قادر على التفكير النقدي أو مساءلة السلطة. وهذا يخدم مصالح النخبة السياسية والأمنية، التي تستفيد من حالة الخوف والانقسام لتعزيز سيطرتها وتمرير سياساتها دون مساءلة حقيقية.
    إن تحول الإعلام الإسرائيلي إلى أداة لصناعة رأي عام خائف ومدجّن يشكل تهديداً خطيراً ليس فقط للديمقراطية الإسرائيلية، بل للسلام والاستقرار في المنطقة بأكملها. فعندما يفقد الإعلام دوره كرقيب على السلطة، وعندما يتحول إلى أداة للتحريض والتجييش، فإن ذلك يفتح الباب أمام المزيد من التطرف والعنف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى