مستقبل العلاقة بين الكويت والعراق

ديار الهرمزي
حين يتحول الجار إلى خنجر في الخاصرة، وتتلبس الأخوة الجغرافية ثوب الطمع، يُعاد رسم الخرائط بالدم والصفقات.
ليست الحكاية جديدة، ولكنها كلما أُهملت تجددت بوجه أشد غطرسة.
الحديث هنا عن الكويت، تلك الإمارة الصغيرة جغرافيًا، الكبيرة طموحًا في قضم ما تبقى من السيادة العراقية المنهكة.
تاريخ ملبد بالتحفظات
منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة، والكويت تشكل عقدة تاريخية في خاصرتها الجنوبية. ورغم ما يروجه الإعلام الرسمي عن استقلال كويتي محترم، فإن الوثائق التاريخية – ومنها رسائل بريطانية تعود إلى أوائل القرن العشرين – تظهر أن العراق، وخاصة ولاية البصرة العثمانية، كان يضم أراضي الكويت إدارياً. ومع ذلك، فإن العراق الرسمي – تحت ضغوط دولية – اعترف لاحقًا بكامل حدود الكويت، رغبة في إغلاق هذا الملف.
لكن هل أُغلق فعلًا؟
أم أن الكويت فتحت من بعده ملفات انتقامية باسم القانون الدولي؟
خور عبد الله: بوابة البحر المبتورة
ليس من باب الصدفة أن تصر الكويت على السيطرة الكاملة على خور عبد الله، وهو المنفذ البحري الوحيد للعراق.
فبعد أن فرضت الأمم المتحدة ترسيمًا قاسيًا في تسعينيات القرن العشرين، عادت الكويت – بعد 2003 – لتوسع نفوذها البحري ببناء ميناء مبارك الكبير في رقبة الجغرافيا العراقية، متجاهلة حاجة العراق التنفس من رئته البحرية الوحيدة.
لقد تحول الخور من شريان سيادي إلى موضع خنق اقتصادي، بمباركة دولية وصمت حكومي عراقي مثير للريبة.
النفط: تحت الأرض وفوق الحسابات
لم تكتفِ الكويت بالتنفس على حساب الجار المتعب، بل مدت أنابيب أطماعها نحو حقول الرميلة والحدود الجنوبية، في ادعاءات سيادية مريبة، مدعومة بتقارير تقنية حول الحقول المشتركة. والأخطر من ذلك، ما كشفته تقارير مستقلة عن عمليات حفر مائل تجاوزت خطوط السيادة الجوفية، وكأن ثروات العراق صيدٌ سهلٌ في غفلة من حراسه.
مؤامرة أم سلوك سياسي براغماتي؟
قد يرى البعض أن اتهام الكويت بالمؤامرة يحمل مبالغة، وأن ما تمارسه ليس إلا واقعية سياسية تضمن مصالحها، خاصة بعد تجربة غزو 1990. لكن واقع الحال يقول إن الكويت تحولت – بعد 2003 – إلى أداة طيعة في مشروع دولي إقليمي يهدف إلى تفتيت العراق اقتصاديًا وجغرافيًا، تارة باسم التعويضات، وتارة باسم القرارات الدولية، وتارة عبر ضغوط التحالفات.
إن أخطر ما في المشهد ليس طمع الكويت، بل سكوت النظام السياسي العراقي وتخاذله. فلو كان العراق قويًا بسيادته، صادقًا مع شعبه، لما جرؤ أحد على التمادي.
ما العمل؟
لا بد من إعادة النظر بكل الاتفاقيات التي وُقعت تحت الإكراه أو في ظل الاحتلال.
على العراق أن يتحرك قانونيًا عبر محاكم دولية مستقلة، لا تلك التي ترعاها مصالح الأقوياء.
يجب توحيد الخطاب الوطني بعيدًا عن التحزب والطائفية، فخطر خور عبد الله لا يهدد طائفة بل يهدد وطنًا.
إن الكويت، مهما بالغت في استخدام علاقاتها الدولية وقوتها المالية، تبقى دولة صغيرة أمام التاريخ.
أما العراق، فرغم جراحه، فله إرث لا يُشترى، وشعب إذا استيقظ، قلب الطاولة على الجميع. فليُكتب هذا الفصل بدم الحقيقة، لا بحبر الصفقات.



