العقل الاستراتيجي الأميركي في سورية والمنطقة: شرعنة الانقسام باسم الاستقرار

أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية
في المشهد السوري، تتجلى واحدة من أبرز المفارقات في السياسة الأميركية: واشنطن ترفع شعار وحدة الأراضي السورية، بينما ترسم بخطوط دقيقة خرائط الانقسام الميداني.
آخر تجليات هذه الازدواجية تمثّل في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، الذي خصص عشرات الملايين من الدولارات لدعم تشكيلات محلية منفصلة عن مؤسسات الدولة، أبرزها ميليشيا “قسد” وما يُعرف بـ “جيش سورية الحرة” في قاعدة التنف.
هذه المخصصات لم تكن عشوائية؛ بل جاءت ضمن بنود دقيقة تشمل الرواتب، والتسليح، والتدريب، والصيانة، والدعم اللوجستي — وكل ذلك ضمن ميزانية دفاع أميركية تتجاوز 900 مليار دولار.
لكن خلف هذه الأرقام تقف سياسة ترسيخ الأمر الواقع لا تغييره. إذ بات تمويل الانقسام أداة دبلوماسية تستخدمها واشنطن لإبقاء الملف السوري في حالة “جمود قابل للإدارة”.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع تزامن هذه الخطوات مع زيارة رجل الأعمال الأميركي توماس باراك إلى دمشق، برفقة وفد على صلة بـ”قسد”، في وقت تتحدث فيه التسريبات عن ما يُعرف بـ “اتفاق 10 آذار” الذي يُحرّك في الظل منذ أشهر.
ورغم غياب التفاصيل الرسمية عن هذه الزيارة، إلا أنها تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية:
هل كانت محاولة لإعادة تسويق “قسد” كقوة قابلة للدمج في مؤسسات الدولة؟ أم خطوة لتكريس تقاسم النفوذ تحت غطاء “إعادة التوحيد”؟
باراك يجمع بين النفوذ المالي والسياسي، ويُعد من أبرز الشخصيات التي تمثل واشنطن في إدارة الملف السوري. يقود مساعي غير معلنة تهدف إلى دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، في إطار مشروع يُراد له أن يوازن بين النفوذ الأميركي والروسي في الميدان. ويتم ذلك عبر تنسيق متشابك يشمل قنوات مع مسؤولين في دمشق، ومع ممثلين عن “قسد” في شمال شرق سورية، إضافة إلى وسطاء أتراك يسعون لتأمين موقع لأنقرة ضمن أي تسوية حدودية محتملة.
في جوهر المسألة، تطلب واشنطن من “قسد” الاندماج في مؤسسات الدولة، بينما تموّلها وتديرها ككيان مستقل.
فكيف يمكن لجسم يتلقى رواتبه من البنتاغون أن يصبح جزءًا من جيش وطني؟
وكيف يمكن الحديث عن “سورية موحّدة” بينما تُدار مناطقها بعقود مالية منفصلة وأوامر عملياتية مختلفة؟
بهذا النهج، تبدو واشنطن وكأنها تمسك بخيوط الجميع:
تفاوض مع دمشق، وتموّل لـ”قسد”، وتنسّق عسكريًا مع فصائل التنف.
وهكذا، تتحول من “وسيط استقرار” إلى مهندس انقسام دائم، يُبقي التوازن الميداني هشًا، ويمنع أي طرف من تحقيق حسم سياسي أو عسكري.
لكن سورية ليست الحالة الوحيدة في هذا النموذج.
ففي العراق، تدعم واشنطن حكومة موحدة، بينما تموّل تشكيلات مستقلة داخل المنظومة الأمنية.
وفي لبنان، تتحدث عن دعم المؤسسات الرسمية، بينما تنسّق مع قوى الأمر الواقع.
أما في فلسطين، فتستمر واشنطن في إدارة الانقسام لا حله، من خلال دعم ترتيبات تُبقي حماس في المشهد كأداة موازنة داخلية، بدل أن تدعم مسارًا يوحّد القرار الفلسطيني ويعيد الاعتبار للمشروع الوطني برمّته.
إنها عقيدة أميركية قائمة على تمويل التناقض: إبقاء الشرق الأوسط في حالة توازن غير مكتمل، بحيث لا تنتصر دولة ولا تنهار أخرى، ويبقى الجميع محتاجين للوسيط الأميركي.
لذلك، فإن تمويل الانقسام السوري ليس خللًا عرضيًا في السياسة الأميركية، بل جزء من منهج إدارة الفوضى المنظمة – منهج يحافظ على النفوذ الأميركي بأقل كلفة ممكنة، ويمنع أي استقرار قد يهدد شبكة المصالح التي بُنيت منذ عام 2003 وحتى اليوم.



