في الواجهة

هجرة الأطباء مشكلة كبرى

في عام 2025 أعلنت نقابة الأطباء أن أكثر من سبعة آلاف طبيب مصري غادروا للعمل بالخارج خلال عام واحد فقط، في وقت لم يتبق داخل المنظومة الصحية سوى ثمانيةٍ وثلاثين في المائة من إجمالي الأطباء المسجلين، أي حوالي اثنين وثمانين ألف طبيب من أصل مائتين واثني عشر ألفًا، بينما البقية إما في الخارج أو في إجازات طويلة. هذه الأرقام تعكس حالة خطيرة من الـ Brain Drain التي تهدد الأمن الصحي في مصر. وتظهر الإحصاءات أن نسبة الأطباء إلى عدد السكان في مصر بلغت طبيبًا واحدًا لكل 1162 مواطنًا، أي ما يعادل 8.6 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة، وهي نسبة متدنية مقارنة بالمعيار الذي توصي به منظمة الصحة العالمية WHO والمحدد بطبيب لكل 434 شخصًا تقريبًا، أي 23 طبيبًا لكل عشرة آلاف نسمة، وهو ما يترجم إلى فجوة واسعة في الـ Healthcare System تضعف قدرة المواطنين على الحصول على الرعاية الصحية.
الأسباب التي تدفع الأطباء للهجرة لا تقتصر على الرواتب المنخفضة فحسب، بل تمتد إلى ظروف عمل سيئة تتسم بساعات عمل مرهقة، اعتداءات متكررة داخل المستشفيات، نقص في التجهيزات، وانعدام الحوافز المهنية، حيث أظهرت استطلاعات عام 2025 أن أكثر من ثمانين في المائة من الأطباء الذين هاجروا أكدوا أن السبب الأول لمغادرتهم هو البيئة غير المناسبة للعمل أكثر من ضعف الرواتب. وفي الوقت الذي تخسر فيه مصر عقولها الطبية، تحقق الدولة مكاسب مالية آنية من خلال تحويلات العاملين بالخارج التي ارتفعت إلى نحو عشرين مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام المالي 2024/2025 بزيادة 81% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلا أن هذه المكاسب لا تعوض الفقد الكبير في رأس المال البشري الذي يمثل العمود الفقري لأي نظام صحي.
إن استمرار مسلسل “تطفيش الأطباء” يعني مزيدًا من العجز في الخدمات العلاجية ومزيدًا من الضغط على من تبقى في الداخل، ولن يوقف هذا النزيف إلا قرارات شجاعة تضمن أجورًا تنافسية Competitive Compensation، وبيئة عمل آمنة Safe Workplace، وفرصًا حقيقية للتدريب والتطوير المهني Professional Development، فبغير ذلك ستبقى مصر تخسر أطباءها واحدًا تلو الآخر، ويبقى المريض هو الضحية الأولى.

د. محمد إبراهيم بسيون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى