إقتصادالجزائر من الداخل

معنى رأس المال الاجتماعي في الدولة ..رأس المال الإجتماعي (الهيكل الإجتماعي)

 
تامر البطراوي
ظهر مصطلح رأس المال الإجتماعي أو السوسيولوجي (Social Capital) لأول مرة مع كتابات “هنيفان” (Hanifan) عام 1916 (حوالة و الشوربجي، 2014، صفحة 510) ، كما ظهر في الستينات مع كتابات ” جين جيكوبس” (Jacobs) عن المدن الأمريكية في إطار إبراز أهمية شبكة الروابط والعلاقات الإجتماعية في حياة الفرد (نصر و هلال، 2007، صفحة 9) ، إلا أن تطور المصطلح لاحقًا ارتبط بثلاث أكاديميين هم: “جيمس كولمان” (James Coleman) و “بيير بورديو” (Pierre Bourdieu) و “روبرت بوتنام” (Robert Putnam) المال (حوالة و الشوربجي، 2014، صفحة 510) ، ففي السبعينات قام عالم الإجتماع الفرنسي “بيير بورديو” بتحديد مضمونه ثم قام بتطويره بالثمانينات واعتبره “ميزة فردية تظهر في سياق اجتماعي يستطيع الفرد حيازتها عبر أفعال هادفة وتحويلها إلى مكاسب اقتصادية” (نصر و هلال، 2007، صفحة 9) ، كما عرفه “بيير بورديو” (Bourdieu, 1986) بأنه “كم الموارد الواقعية أو المحتملة التي يتم الحصول عليها من خلال امتلاك شبكة من العلاقات الدائمة المرتكزة على الفهم والوعي المتبادل، وذلك في إطار الانضواء تحت لواء جماعة معينة، فالانتماء لجماعة ما، يمنح كل عضو من أعضائها سنداً من الثقة والأمان الإجتماعي” ، كما اعتبر “والترز” (Walters, 2000) أن رأس المال الإجتماعي مصطلح يشير إلى قدرة الأفراد على الحصول على منافع بموجب عضويتهم في الشبكات أو الكيانات الإجتماعية (حمد، 2015، صفحة 143) ، ثم انتقل المصطلح إلى الولايات المتحدة حيث خاصة من خلال أعمال عالم الإجتماع “كولمان” (نصر و هلال، 2007، صفحة 9) والذي قام بتعريفه (Coleman, 1998) على أنه “العلاقات الإجتماعية التي تُشكل رأس مال اجتماعي تنشأ نتيجة للتعاملات ينشأ بموجبها الثقة والإلتزامات بين الأفراد فتنشأ العلاقات التي يمكن استثمارها وقت الحاجة ، وفي ضوء الإلتزامات المعاملية عبر المجتمع ، فإنه يمكن الحصول على رأس مال معمم ، وهو ما أكدته نظرية بوتنام (Putnam, 2000) حول رأس المال الإجتماعي والذي اعتبر أن رأس المال الإجتماعي يتشكل من خلال ثلاث مكونات رئيسية وهي: الثقة (Trust) والتي تمثل نواة رأس المال الإجتماعي بالإضافة إلى القيم الإيجابية ، والإلتزامات الأخلاقية والتي تنشأ بموجبها الثقة ، والشبكات الإجتماعية خاصة الجمعيات التطوعية (groups and networks) والتي تخلق قنوات اتصال وبيئة للتفاعلات الإجتماعية (حمد، 2015، صفحة 143) ، وتعرف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) رأس المال الاجتماعي يأنه “مفهوم متعدد الأبعاد، يمثل “الشبكات الاجتماعية والقيم والتفاهمات والمعايير المشتركة التي تسهّل التعاون داخل المجموعات وبينها” ، أما البنك الدولي فيعرفه بأنه “المؤسسات والعلاقات والمعايير التي تشكل نوعية وكمية التفاعلات الإجتماعية في المجتمع” ، ويعتبر البنك الدولي أن الشبكات الإجتماعية تلعب دورا حاسما في الإزدهار الإقتصادي ولها أثر فعال في زيادة الإنتاج (نصر و هلال، 2007، صفحة 17) ، ويعرفه “بريست” (Priest) بأنه “الشبكات والقيم والفهم المشترك بين الناس ، والذي يمكن الأفراد والجماعات في أن يثق كل منهم في الآخر ويعمل سويا ، كما يشمل الروابط والعلاقات والشبكات بين المنظمات والمؤسسات والأمم” ، ويميل اتجاه في نظرية رأس المال الإجتماعي إلى تضمين الشبكات الإجتماعية كمكون اساسي ضمن المفهوم باعتبارها البيئة التي ينشأ خلالها رأس المال الإجتماعي (حوالة و الشوربجي، 2014، صفحة 514) ، وقد تم تحديد ثلاثة عناصر أساسية تكون راس المال الإجتماعي: وهي عدد الأشخاص ، وقوة العلاقة ، والموارد التي يمتلكونها ويمكن على أساسها إحداث تفاعل اقتصادي بينهم (حوالة و الشوربجي، 2014، صفحة 518) ، وإذا كانت عدد العلاقات تنشأ نتيجة لقنوات وشبكات الإتصال الإجتماعي ، فإن قوة العلاقة تتحدد على أساس الثقة الناشئة عن المعاملات الإلتزامية بينهم ، وقد عرف “فوكوياما” الثقة بأنها ما يتوقعه الأفراد من أفراد آخرين داخل المجتمع أو أجزاء معينة منه” ، كما اعتبر “دوركهايم” أن أحد أبرز العوامل التي تخلق المجتمع الحديث تمتع أفراده بالإلتزام الشخصي بالمعايير والقواعد الجمعية ، والذي يتقيد معه السلوك الأناني وارتفاع العنصر الأخلاقي الذي يجعل عيش الناس ممكنًا معا (حمد، 2015، صفحة 149).
وبناءً عليه فإن رأس المال الإجتماعي هو رصيد متسع ومتراكم من شبكة العلاقات الإجتماعية التي يمكن استثمارها اقتصاديا وقت الحاجة إليها ، والتي تنشأ نتيجة تفاعلات إلتزامية عبر قنوات اتصال وشبكات اجتماعية يترتب عليها رصيد من الثقة المتبادلة بين أطراف العلاقة كنواة لرأس المال الإجتماعي ، ولذا فإن الإهتمام بتنمية القيم الأخلاقية المحفزة لتكوين رأس المال الإجتماعي مدخل رئيسي لتنمية رأس المال الإجتماعي ، كما أن رأس المال الإجتماعي وفقًا لذلك المفهوم يُعد عاملاً أساسيًا ضمن عوامل التنمية الإقتصادية بمفهومها الدولي المعاصر ، والذي يقوم على أساس من الشراكة والتفاعل ما بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والأفراد داخل المجتمع ، فإذا انخفض رصيد رأس المال الإجتماعي لدى تلك الأطراف تجاه الأطراف الأخرى فإن ذلك يعني أن التنمية الإثتصادية لا يمكن أن تتم بمفهومها المعاصر ، وسيتوقف إخفاقها بقدر الإنخفاض الحاصل برصيد رأس المال الإجتماعي لدى تلك الأطراف ، ولذلك فإن خلق قنوات الإتصال والمعاملات الإلتزامية ورصيد الثقة مكونات أساسية لرفع مستوى رصيد رأس المال الإجتماعي على المستوى الجمعي ومن ثم تحقق التنمية.
وإذا كان كلاً من رأس المال النفسي والبشري عوامل لا تنفصل عن الأفراد كأشخاص طبيعيين فإن رأس المال الإجتماعي شأنه شأن رأس المال الثقافي والفكري أو المعرفي على خلاف ذلك ينشأ داخل الأفراد كأشخاص طبيعيين بالإضافة إلى الأشخاص الإعتباريين أو المعنويين كالمجتمعات والدول والمؤسسات والمنظمات والشركات ، سواء علاقات مع أشخاص اعتباريين أو طبيعيين ، هذه العلاقات لا تشمل فقط علاقات المنظمة مع موردي عوامل الإنتاج وإنما تشمل أيضًا علاقتها مع سوق الطلب والتي تُمثل رصيد المنظمة من الثقة لدى الأفراد من العملاء الحاليين والمحتملين والذي ينشأ كرد فعل لمستوى الإلتزامات التعاملية المتحققة ، وبناءً عليه فإن رأس المال الإجتماعي كعامل إنتاج يساهم تناسبه مع سائر عوامل الإنتاج بالطاقة الإجمالية لوحدة الإنتاج في تحديد الأبعاد الكمية والنوعية للناتج ، وفي حالة إغفال هذا التناسب فإما سيترتب عليه تعطل عوامل الإنتاج وبالتالي تفويت فرصة استثمارها ، أو إنهاكها وتفويت فرص إنتاجية ، ولذا فإن القرار الإستثماري الذي لا يأخذ في الإعتبار مدى تناسب رأس المال الإجتماعي بجانبي العرض والطلب باستثمار قدر كبير من رأس المال الصناعي والطبيعي والعمل كعوامل إنتاج بجانب قدر محدود من رأس المال الإجتماعي لا يتناسب مع حجم الإستثمار بسائر عوامل الإنتاج الأخرى قرار غير اقتصادي لعدم تناسب العوائد الإنتاجية مع الأصول المستثمرة ، رأس المال الإجتماعي ينشأ كرصيد داخل الأفراد والمنظمات نتيجة للثقة المتولدة عن التعاملات الإلتزامية مع أطراف أخرى عبر الشبكات الإجتماعية المتاحة عبر متغير الزمن ، ولذلك فإن عامل الزمن يلعب دور أساسي في تراكم رصيد رأس المال الإجتماعي يجب الإسترشاد على أساسه لخلق مزيج الطاقة الإنتاجية ، رأس المال الإجتماعي تجاه الطلب كرصيد المنظمة من العلاقات الإيجابية مع العملاء الحاليين والمحتملين أو ما يُمكن وصفه بالشهرة أو السمعة التجارية أصل من أصول المنظمة والذي يمكن تقدير قيمته بشكل أساسي من خلال الفارق ما بين القيمة الدفترية والقيمة السوقية للمنظمة ، وعلى المستوى الفردي فإن رأس المال الإجتماعي كرصيد إيجابي للفرد بسوقي العرض والطلب يُمثل عاملاً جوهريا في صناعة دخول الأفراد خاصة في المجالات الإعلامية والمهن الحرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى