أمن وإستراتيجية

لماذا فشلت الحرب الألمانية الصاعقة على الاتحاد السوفيتي

  المركز العربي الألماني 
 
كنا في عمل سابق، قمنا بتأليفه وترجمته، الأخ اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس وأنا، قد فصلنا على نحو كاف، الخطوط العامة الرئيسية لمبدأ الحرب الصاعقة (Blitzkrieg)، وهي عقيدة حرب ألمانية على الأرجح، خطط لها قادة ألمان ونفذوها في جبهات مختلفة ولاقت نجاحاً واسع النطاق، في الجبهة الغربية (بلجيكا / هولندة / فرنسا) في جبهة بولونيا، وفي جبهات البلقان، بل ونجحت ” مؤقتاً ” حتى الجبهة السوفيتية في بداية عملية شيشرون(خطة غزو الاتحاد السوفيتي). ولكن هذا النجاح المبهر تحول إلى نكسة على الجبهة الشرقية (السوفيتية) قادت في النهاية إلى اندحار وسقوط دولة الرايخ الثالث.
وكما كتب المؤرخون والمحللون الكثير جداً عن قوة خطط الحرب العاصفة وضرباتها الساحقة التي غيرت ليس من خطط الحرب فحسب، بل وأيضاً في تكنولوجيا السلاح، كذلك كتبوا وبحثوا عن أسباب هذا السقوط المدوي.
أترى كان سبب الإخفاق في :
1. ثغرات في خطط الحرب الصاعقة.
2. أم أنه يكمن في الظروف الطبيعية (الشتاء ومستنقعات الوحول).
3. أم في أخطاء أرتكبها القادة الألمان.
4. أم في صمود القيادة السوفيتية، وبالتالي صمود الجيش والصناعة السوفيتية.
5. أم في الإنهاك الذي أصاب القوات الألمانية، بسبب طول فترة القتال والخسائر العالية في الأفراد والمعدات.
6. أم ترى أن خلطة من جميع هذه العوامل بنسب متفاوتة في الأهمية (بالطبع) ولكنها بمجموعها وكمحصلة قادت إلى النتيجة المدوية.
هذا المقال كتبه بيرتولد زيفالد (رئيس قسم التاريخ في موقع فيلت) وهو أحد الاختصاصين الألمان في تاريخ الحرب العالمية الثانية العسكري.

د. ضرغام الدباغ
لماذا فشلت الحرب الألمانية الصاعقة على الاتحاد السوفيتي
كتابة : بيرتولد زيفالد (Berthold Seewald)
ترجمة : ضرغام الدباغ
نشرت بتاريخ : 24 / حزيران / 2013 :موقع فيلت (Welt)
1100 كيلو متر هي المسافة الجوية بين خط الحدود السوفيتية ــ الألمانية، وموسكو، كانت الدبابات الألمانية تقطع في صيف عام 1941 عشرات الكيلومترات يوميا، ولكن المهاجمون توقفوا وصدموا، ثم انتهت المهمة إلى كارثة.
في 3 / تموز / 1941 ، وبعد أثني عشر يوماً على الشروع بعملية الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي، سجل رئيس أركان الجيش الألماني الفريق الأول فرانتز هالدر (Franz Halder) في مذكراته ” انه بالتأكيد ليست مبالغة حين أقول أن الحملة ضد روسيا ستنتهي في غضون 14 يوماً “. ولكنه عاد ليتحفظ بقول ” بالطبع أن الحملة لم تنتهي بعد، فالمساحة الشاسعة والمقاومة العنيدة بكافة الوسائل سوف يأخذان من قواتنا أسابيع كثيرة “.
وحين كتب الجنرال هالدر هذه، كان تحت تأثير انطباع الأنباء الواردة من ميدان معركة التطويق في بياليستوك (Białystok) ومينسك (Minsk) حيث تمكنت فيلقان مدرعان ألمانيان من تطويق وحصار أربعة فيالق من الجيش السوفيتي، وتم أسر أكثر من 320,000 ألف جندي سوفيتي، وتدمير أكثر من 3000 دبابة. وفي 9 / تموز بدأ الهجوم الألماني على الدنيبر، ثم الهجوم على سمولسنك. ومن ذلك المكان لم يكن قد تبقى من المسافة لموسكو سوى 370 كيلومتر….! (1)
وحتى ذلك الوقت، كانت القيادة الألمانية على يقين، بأن استراتيجيتها في الحرب الصاعقة ضد الاتحاد السوفيتي تسير قدما بنجاح. والشيئ الوحيد الذي كان يعيق تقدم طلائع دروعهم هو بطء وتيرة حركة فرق المشاة، الذين الذين كانوا يتقدمون عبر الغبار الذي تثيره المدرعات خلفها، وكان عليهم قتال القوات السوفيتية التي كانت متمركزة في المحافظات الغربية.
لماذا لم تنجح الحرب الصاعقة في الشرق، هذه واحدة من الموضوعات المفضلة التي يبحث فيها كتاب التاريخ. ولكن هذه العقدة يسهل حلها، حين نتعرف على المبررات التي قادت للفشل مثل طول المسافات، أو استهلاك العتاد، (الآليات)، أو ارتكاب الأخطاء في القرارات الاستراتيجية، مجموعة كاملة من العوامل أوصلت الآلة الحربية الألمانية إلى التوقف.
” تقدموا … تقدموا ، طيلة 14 يوماً ”
المسافة البعيدة لم تكن بحد ذاتها أمرا مهماً، فمثل خط الحدود الجديد مع بولونيا المحتلة، بعد هزيمة بولونيا علة يد الألمان والسوفيت، مثل خط الحدود الجديد بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا الرايخ الثالث. ومن هذا الخط حتى موسكو كانت المسافة 1100 كيلومتر كخط نظر. وتقريبا طول الجبهة كان نفس المسافة، وفي 22 / حزيران / 1941، شن الجيش الألماني هجومه بقوة 160 فرقة، مقسمة إلى ثلاثة مجموعات جيوش. تم تعين مجموعة جيوش الوسط وتضم 4 فيالق مدرعة، كلفت بواجب الوصول إلى موسكو العاصمة.
وبينما كانت الفرق الآلية المدرعة، تقطع العشرات من الكيلومترات في اليوم الواحد كانت فرق المشاة الراجلة، أو التي تستخدم عربات تسحبها الخيول، بالكاد تستطيع اللحاق بها. ويكتب أحد جنود الفرقة 7 مشاة ” تقدموا … تقدموا …المسير طيلة 14 يوماً هكذا كان الإرهاق” وهي الفرقة التي تنتمي لوحدات النخبة. وفوق ذلك كانت كل خطوة جديدة إلى الشرق تزيد من طول خطوط المواصلات، وطول الجبهة وعرضها، حتى بلغ قطاع الفرقة الواحدة حتى 50 كيلومتر… وسط ظروف تنقل على الطرقات صعبة وسيئة جداً.
سرعان ما تحولت المشاكل اللوجستية (التنقل) شديدة الصعوبة، في أقصى الحالات كانت نصف الفرق مجهزة بأسلحة حديثة وبما يكفي من العربات (السيارات) فيما كان الباقون يقاتلون بأسلحة غنائم وسيارات شاحنات مهترئة، التي سرعان ما كانت تتعرض للتلف التام. حتى تلك التجهيزات الحياتية كالجوارب سرعان ما أصبت من التجهيزات المطلوبة وتعاني من نقص.
بالإضافة لذلك، أن الجيش الألماني لم يكن يتحرك في مساحات فارغة من السكان (مهجورة)، وكان ستالين قد أمر بتمركز 3 ملايين شخص في المناطق الحدودية، لأنه كان يعتقد أن ألمانيا أو دولة رأسمالية أخرى ستقوم بمهاجمة الاتحاد السوفيتي في وقت غير بعيد. وكانت حملات التطهير التي جرت في الثلاثينات، وخاصة في سلك الضباط، قد أضعفت بشكل كبير قدرات الجيش السوفيتي، وهو ما تسبب بالخسائر الهائلة في الأسابيع الأولى للحرب، ولكن رغم ذلك، فإن القيادة العامة السوفيتية كانت تتمتع باحتياطيات وموارد بشرية هائلة.
تعبير لطيف للتراجع …..!
لم تكن السرعة ولا خدمات النقل (اللوجستية ــ Logistik) للجيش الألماني (Wehrmacht) كافية لحمل الحرب الصاعقة إلى موسكو. وينطبق ذلك أيضا على حجم القوات. وفي آب/أغسطس، كان قد أصبح من الواضح أن القوات من أجل إحراز تقدم متزامن على كييف / عاصمة أوكرانيا، وعلى موسكو العاصمة الروسية غير كافية. وأمرت فرق الدبابات التي كانت قد تلقت الأوامر بأحتلال موسكو، وجهت نحو كيف التي خسر فيها الجيش السوفيتي 665,000 أسير…!

وفي الوقت نفسه، كان على فرق المشاة التي من المفترض أن تغطي احتلال كييف في قوس يلينيا جنوب سمولنسك صعوبة كبيرة في الاحتفاظ بمواقعها كاملة. ولأول مرة في تاريخ هذه الحرب العالمية، ظهر مصطلح “الحركات إلى الخلف” في تقارير القوات الألمانية، وهو تعبير ملطف للتراجع.
وفي نهاية أيلول/ سبتمبر، لم يكن أمام القيادة الألمانية سوى خيارين: الاستعداد الفوري لفصل الشتاء أو القيام بهجوم صاعق واختلال موسكو. ومرة أخرى، في غضون بضعة أيام، تقدمت القوات الألمانية عدة مئات من الكيلومترات بأتجاه موسكو. ثم حل موسم الطين الذي يلغي القدرة لأي حركة رئيسية. وأخيرا، جاء فصل الشتاء، وفي 5 كانون الأول/ديسمبر، أرغم الهجوم السوفيتي الكبير على الانسحاب.
ولكن حتى فصل الشتاء والتفوق العددي للجيش الأحمر لا يفسران الفشل الألماني إلا جزئياً فقط. ,كما في الأشهر السابق ، كان حلم الحرب الصاعقة قد تحول إلى أن يكون كابوسا. وفي الواقع، ، كان المرء قد أصبح ضحية نفسه، وبعد الانتصار السريع المظفر الذي تحقق على فرنسا، عام 1940، بدا كل شيء ممكناً.
مزيج بين الغطرسة والخيانة
كانت سرعة التقدم على الجبهة الغربية مصادقة. إذ أن الجنرال فون مانشتاين كان قد وضع خطة هجوم القوات المدرعة عبر الآردين، وكان هتلر قد وافقه على رأيه بالرغم من معارضة هيئة أركانه، والباقي تكفلت به أجهزة دعاية الوزير غوبلز التي أشادت بالنصر الخاطف غير المتوقع وتحويله إلى مفهوم ، أو نظرية عسكري.
وفي الواقع، ما أعقبه، هو فقط الظروف الكئيب التي حلت في الرايخ الثالث (الدولة الألمانية) التي لم تكن الصناعة فيه مستعدة للحرب. وكان هناك نقص في المواد الخام، ومدن إنتاج صناعي، والمعرفة الصناعية (Know-how)، إضافة إلى الحرب المتواصلة ضد الدول البحرية الكبيرة إنكلترا، التي لم تكن لتربح بأي حال من الأحوال. (2)
ومن ناحية أخرى، كانت ذكريات الحرب العالمية الأولى، التي نجحت فيها القوات الألمانية في الشرق من الاستيلاء على مساحات شاسعة، فيما لم تكن هناك نجاحات ألمانية مماثلة على الجبهة الغربية (فرنسا) حيث كانت طابع الحرب هو حرب الخنادق. وبالارتباط بالتحضيرات الآيديولوجية للحرب على الجبهة الشرقية(الحرب المعنوية)،حيث كانت تدور الاستعدادات لحرب إبادة، ، كانت الحملات الدعائية عبارة عن الغطرسة والازدراء للجنود السوفيت وعدو غير محترم.
ويبدو أن النجاحات المبكرة تؤكد ذلك. إذ تركت القوات الألمانية تجهيزات ومعدات الشتاء في مستودعات انطلاقها في معسكراتها في بولندا، لأن القيادة، اعتقدت، أن الحرب سوف تحسم بالنصر حتى الخريف على أبعد احتمال. على مدى 1000 كيلومتر من خط الشروع في بولندا، في هذه المسافة كان الجيش الألماني يواجه عدوا متفوقاً، ومن وراءه حملات الإبادة الجماعية. والجنود الذين كانوا يريدون الاستيلاء على موسكو، لم يكن يمتلكون حتى قفازات لأيديهم المتجمدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1. أي أن الجيش الألماني كان قد قطع خلال 18 يوماً من القتال 730 كيلو متراً …. أي نحو 40 كيلو متر يوميا…!
2. هذه المعلومات غير مسبوقة، فمن المعلوم أن الصناعة الألمانية كانت متفوقة في تجهيز التكنولوجيا المتقدمة، ولكن إطالة مدة الصراع، بدأ يستنزف الموارد الألمانية، إضافة إلى عامل حاسم هو دخول الولايات المتحدة للحرب إلى جانب بريطانيا./ المترجم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى