أحوال عربية

في ذكرى وفاته .. هل كان مجئ عبد الناصر ضرورياً ؟

أحمد فاروق عباس

مع ٢٨ سبتمبر من كل عام يتجدد الخلاف القديم الجديد حول جمال عبد الناصر .. وتتلون الآراء والمعلومات حسب الهوى ، وبالنسبة لخصوم عبد الناصر يأتى الإخوان المسلمين أولاً فى درجة الكراهية ، ثم أصدقاء ومحبى العهد الملكى والأسرة العلوية ، وفى المقام الثالث يأتى الوفديين ، وهى كراهية وصلت إلى ذروتها مع رئاسة فؤاد باشا سراج الدين للوفد في الثمانينات والتسعينات ، وخفت كثيرا مع وفاة الباشا عام ٢٠٠٠ ، ومجئ جيل جديد في الوفد لم يرث الأحقاد القديمة ..

١ – هل كان هناك قبل مجئ عبد الناصر مؤسسات سياسية مستقرة أو حتى حياة سياسية مستقرة ؟

والجواب لا .. لم تكن في مصر مؤسسات سياسية يعتد بها ، فالمؤسسة الملكية الحاكمة كانت عبارة عن أسرة غريبة عن مصر ، أسسها جندى ألبانى له جذور تركية ( محمد على ) ولم يكن له أو لأبناءه من بعده علاقة بمصر ، ولم يكن اى واحد منهم حتى يجيد اللغة العربية باستثناء آخرهم ( فاروق ) ..

وكانوا كلهم ملوكا استبداديين حكموا بطريقة مباشرة وانفرادية واستبدادية ، ولم يعرفوا او يعترفوا طوال تاريخهم بمبدأ الملكية الدستورية ..
وبجانب مؤسسة القصر كانت مؤسسة الاحتلال البريطانى متحكماً فى مصير مصر وقرارها فى الشئون الكبرى ، وشئون الحرب والسلام ، أو طبيعة ونوع النظام الاقتصادى ، تاركاً الشئون اليومية والعادية للساسة المحليين !!
ومؤسسة البرلمان وهو تابع للمؤسستين السابقتين ، وكانت أغلب الانتخابات المكونة له مزيفة إلا فى القليل منها ..

أما استقرار الحياة السياسية قبل ١٩٥٢ فكان وهماً ، تدل عليه كمية الحكومات التى أتى بها القصر أو اتى بها الانجليز ، وكانت أغلب الانتخابات مزيفة ، اتت برجال مثل إسماعيل صدقى أو محمد محمود ( صاحب اليد الحديدية) او رجال تولوا الحكم بدون إنتخابات أصلا مثل على ماهر أو توفيق نسيم أو غيرهما ..

وحتى عندما كان يتم عمل انتخابات بها درجة من النزاهة ، وكان يفوز بها دائما حزب الوفد ، كانت إقالة الحكومة جاهزة خلال شهور ، قد اقيل الوفد من السلطة ٧ مرات وبعد فترات بسيطة من وصوله إليها ، ولم يصل مجموع السنوات المتفرقة التى حكم فيها إلا ست سنوات ونصف من ٣٠ سنة هى فترة النظام البرلمانى في مصر !!!

٢ – هل كانت مصر دولة متقدمة اقتصادياً قبل مجئ عبد الناصر ؟
هذا من قبيل الهراء الكامل ، وإعطاء قائمة بالمراجع التى يعتد علميا بها عن الاقتصاد المصرى قبل ١٩٥٢ توضح الصورة كاملة ببساطة وبحسم ..

مصر كانت دولة زراعية فقيرة جداً قبل ٥٢ ، أما القصة التى يضحكون بها على عقول البسطاء من أن مصر كانت دائنة لبريطانيا العظمى بمئات الملايين قبل ١٩٥٢ والمعروفة تاريخياً بالأرصدة الاسترلينية ، فهى تكلفة ما استهلكته الجيوش البريطانية وجيوش حلفائها خلال الحرب العالمية الثانية ( ٦ سنوات ) من موارد مصر الزراعية ( القطن والقمح ) والمواد الغذائية بأنواعها والمواد الخام والمعادن والبترول والمنسوجات وغير ذلك ، وتحويل كل ذلك إلى أوراق بنكنوت انجليزية تستحق لمصر بعد الحرب ، وعلى الرغم من ظروف مصر الاقتصادية شديدة السوء بعد الحرب فقد ماطلت بريطانيا بشدة في تسديد تلك الأموال ، وعقدت اتفاقيات عديدة أعوام ١٩٤٧ و ١٩٤٨ و ١٩٤٩ و ١٩٥١ لتسديد تلك الأموال ، وقد سدد جزء منها قبل ١٩٥٢ وعندما رفضت بريطانيا تسديد الباقى كان رد عبد الناصر هو تمصير الممتلكات البريطانية في مصر عام ٥٧ كرد علي عدوان بريطانيا على مصر عام ١٩٥٦ وكتسديد ما عليها من أموال لمصر ..

وقد قدمت مصر أيضاً مثل ذلك وأكثر خلال الحرب العالمية الأولى ، ولكن ذهبت تلك الخدمات والتضحيات الكبيرة سدى وبلا أى مقابل ، فقد طغت عليها قضية الاستقلال السياسي بقيام ثورة ١٩١٩ ، ومنها مثلا مجهود مئات الآلاف من المصريين الذين حفروا الخنادق وعملوا بجهد هائل في المجهود الحربى البريطانى ، سواء خلف خطوط القتال أو فى المهام اللوجستية ، أو حتى فى مهام قتالية ، ولم تجد مصر من بريطانيا سوى كل نكران واستخفاف بعد الحرب ، ونسيت تلك الصفحة – كغيرها – من تاريخ مصر الاقتصادى والسياسي ..

ويمكن الرجوع لمن أراد التفاصيل إلى مجموعات الصحف الخاصة بتلك المرحلة ، ولكتاب أحمد شفيق باشا ” حوليات مصر السياسية ” الجزء الأول ، وهو رجل عاش ومات فى العصر الملكى وقبل مجئ عبد الناصر ، وكذلك الأستاذ عبد الرحمن الرافعى وما كتبه من مراجع مهمة ، وكتاب باتريك أوبريان ” ثورة النظام الاقتصادى فى مصر ” وكتابات الدكتور محمد مندور الاقتصادية والاجتماعية في الأربعينات ، وكتابات الدكتور راشد البراوى وغيرهم كثيرون ، هذا غير عشرات الرسائل العلمية المحكمة التى تناولت تاريخ مصر الاقتصادى فى النصف الأول من القرن العشرين، سواء كتبها مصريين أو أجانب ..

٣ – وبالنسبة للتأميم وسيطرة الدولة على الاقتصاد ، والتى تحولت إلى أكبر أسباب انتقاد تجربة عبد الناصر الإقتصادية فيما بعد وبأثر رجعى ، لا يذكر أحد أن الاشتراكية كانت صيحة العصر فى الخمسينات والستينات ، وأن نصف العالم كان يتبع النظام الاشتراكي ..
وأن روسيا والصين وشرق أوربا كله وفيتنام وشمال كوريا كانت دولاً ماركسية ومتقدمة ..
وأن الهند واندونيسيا والأرجنتين ودول كثيرة أخرى فى آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا كانت تطبق صورة أو أخرى من صور الاشتراكية ..
كما لا يذكر أغلب الناس أن درجة سيطرة مؤسس الأسرة الملكية فى مصر محمد على شخصياً ( او الدولة المصرية فى عهده ، فقد كان هو الدولة تقريباً ) على الإقتصاد المصرى فى عصره كانت أكبر كثيراً من سيطرة الدولة أيام عبد الناصر ، واستطاع محمد على بناء على ذلك خلق دولة قوية ومحاربة ومتقدمة فى محيطها ، وبمقاييس زمنها ..

ربما اختلف الزمن فيما بعد ، وبان للناس بعض جوانب التعثر في التطبيق الاشتراكي ، لكن يظل أن الهدف كان نبيلاً وكان متسقا مع قيم عصره ، وهو تقدم مصر ورفع مستوى المصريين الاقتصادى ..

عبد الناصر صفحة جليلة من تاريخ مصر الحديث ، وشخصية عظيمة بمقاييس عصره وما بعده من عصور ، وهو فى مصر مثل نابليون بونابرت في فرنسا أو بسمارك في ألمانيا أو غاريبالدى في ايطاليا ، شخصيات أيقظت أمم من رقدة القرون وأخذتها الى مسالك جديدة ، ربما تكون تلك الشخصيات العظيمة تعثرت هنا أو هناك ، أو انهزمت في ذلك الموقف أو غيره ، ولكن خلقت بلادها من جديد ، ووضعت قيم ومعايير مختلفة ، وأجابت أجوبة صحيحة على أسئلة العصر ، وقدمت تجربتها بكل ما فيها لمن بعدها ، تتجنب عثراتها وتبنى على ما يستحق البقاء ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى