أخبار هبنقة

عندما تجد نفسك في قبضة الأمن الداخلي الصحي للدولة!

 
سليم نصر الرقعي
شر البلية ما يُضحك!؟ (عندما تجد نفسك في قبضة الأمن الداخلي الصحي للدولة!)
****************
بعد ذلك اليوم الحار غير المسبوق في شفيلد حدث ما هو متوقع وهو هطول أمطار بكثافة منذ فجر الأمس حتى تم اخماد تلك النار الحارة التي اشتعلت في البيوت والأبدان وبالتالي انخفاض درجة الحرارة من جديد، ومع ذلك قررت اليوم الخروج للمقهى وفي الطريق وأثناء جلوسي على مقعد القطار الكهربي (الترام) منطلقًا نحو المدينة جلستْ بالقرب مني سيدة متبرجة بشكل لافت لا يتناسب مع سنها، ولم تمر دقائق على جلوسها بجواري حتى أخذت تسعل بشدة (تكح) فانطلق جرس الانذار في رأسي على الفور!… إذ أنني بعد مرضي هذا واعتقاد الأطباء أنه مرض ناتج عن عدوى وأنه ربما يكون (السل) أصبحت أقيم لقصة (العدوى) ألف حساب وأتفهم لماذا يضع الكثير من اليابانيين والصينيين كمامات على أنوفهم وأفواههم هنا في شفيلد!، ولهذا وبعد أن أخذت هذه السيدة تسعل بشكل مستمر لم يبق لدي من خيار سوى (الفرار) فالذي (فيني كافيني)!، فتظاهرت بأنني أريد الهبوط في المحطة التالية وغادرت المكان على عجل بطريقة (أنجُ سعد فقد هلك سعيد!) نحو جهة أخرى في القطار!… وهناك تذكرت أن أحد الاطباء الذين يحاولون تشخيص مرضي (الغامض) سألني: (هل لاحظت أن حدًا عطس أو كح في وجهك أو بقربك الفترة الماضية!!؟؟) ولم أجد حينها من جواب سوى أن ضحكت!!…. نعم ضحكت لأن هناك ألوف من البشر عطسوا أو سعلوا في وجهي أو بقربي في عدة بلدان من ليبيا إلى مصر إلى السودان إلى الأردن إلى سوريا إلى مالطا إلى بريطانيا إلى فرنسا إلى السعودية إلى فرنسا إلى المغرب والأردن!.. وهنا في بريطانيا أنا رجل يستعمل المواصلات العامة ويرتاد المساجد والمقاهي ولا شك أن هناك من يعطس أو يسعل أحيانًا في مثل هذه الأمكنة بجواره بل وربما في وجه!، فلا غرابة في ذلك!، وهؤلاء بكل تأكيد سعل أو عطس في وجوههم أو بقربهم ألف آخرين!… وهلمجرًا!… فهناك ألوف بل ربما عشرات الألوف من البشر عطسوا وسعلوا بقربي وأنا أقف بجوارهم مثل (الرجل الطيب) في كل مكان زرته!!.. فسأتذكر من أو من!؟؟.
وظللتُ وأنا على مقعدي في القطار وهو يشق طريقه نحو مركز المدينة أتذكر وأتخيل ما يثير شهيتي للضحك!، حيث تخيلت أنني في دولة حديثة متقدمة في المستقبل البعيد حيث يكون (الأمن الصحي) على رأس قائمة (الأمن الوطني)، فتخيلتُ أنني شعرتُ بوعكة صحية وذهبتُ للطبيب فتم من خلال الفحوصات اكتشاف أنني مصاب بمرض معدي نتيجة فيروس أو بكتيريا وعندها – ووفق الاجراءات الأمنية المتبعة – يتم القبض عليّ على الفور وتقوم الشرطة الصحية بوضعي في الحجز والحجر الصحي لتقوم الجهات الأمنية المختصة بالتحقيق معي بطريقة (المخابرات وأمن الدولة)!!…. تخيلتُ أنهم سوف يضعونني في غرفة معتمة ويأتي أحد رجال الأمن المخضرمين وهو يرتدي سترة واقية ويبدأ في استجوابي لمحاولة الحصول على أكبر معلومات عن أسباب اصابتي بالمرض!… في البداية يتظاهر بأنه (جنتل مان!) ورجل وديع يتعامل معي برفق حيث – وهو يحاول رسم ابتسامة على شفتيه – سيبادرني بالقول ( ألف ألف لباس عليك يا استاذ !)( أزمه وتمر !)… ثم يجلس بقربي ويمسك قلمًا وهو يتظاهر بأنه مستعد للكتابة على ورقة وضعها على الطاولة أمامه ويطلب منّي – وبنبرة وديعة مصطنعة – أن أتذكر أسماء أو وجوه آخر 100 شخص عطسوا في وجهي أو بقربي!!!… لكن وما أن أخبره بأنني لا أتذكرهم حتى يتجهم وجهه ويكشر عن نابيه وهو يرشقني بنظرة مستنكرة غاضبة!، ثم تتغير عندها طريقة تعامله معي فيأخذ يهددني باستعمال طرق قاسية تساعدني على التذكر!، منها آلة الصعق الكهربي للدماغ!، ومنها غطس رأسي في جردل مملوء بالماء حتى أفقد القدرة على التنفس!… ثم بعد هذا التهديد المخيف يرمقني بنظرة شيطانية قاسية ويقول في تهكم:
– “نصيحتي الأخوية لك هي أن تتذكر أحسن لك!، وبالتي هي أحسن!.. فهذا أمن دوله يا حبيبي!!.. تذكر أحسن ما نخليك بطرقي الخاصة تتذكر حتى الاغاني والموسيقى اللي كانت أمك تسمتع إليها وأنت في بطنها!!”
فأشعر بالرعب وأنا في أعماقي أتساءل عن تلك (الطرق الخاصة؟؟) التي هدد باستعمالها معي!؟، فأحلف له بالله بنبرة مرتعشة بأنني لا أتذكرهم لأن عددهم كبير وربما زاد عن الألف!، فيضحك بسخرية ويقول لي بلهجة متهكمة لا تخلو من الاحتقار:
– ألف واحد عطسوا في وجهك يا حبيبي ومش قادر تتذكر ولو حتى مية 100 واحد منهم!؟؟… 100 واحد بس من ألف!؟.. يا سيدي على الأقل أذكر لي اسماء الاقارب والاصحاب والجيران، فأكيد بعضهم عطس ولو مره في وجهك”!!؟
وهكذا أخذت أتخيل أحوالي وأنا في قبضة رجال الأمن الداخلي (الصحي) وهو الفرع الأهم من أمن الدولة في المستقبل البعيد بعد الفوضى الصحية العارمة التي ستضرب العالم وتعيد البشرية إلى عصر الطاعون!!… أتخيلهم وهم يستجوبنني بتلك الطريقة الأمنية القاسية وأنا أقسم لهم بنبرات رجل مريض وخائف بأنني (لا أتذكر!!.. والله لا أتذكر !!).. لينتهي الأمر باستعمال طريقة غطس رأسي في جردل ضخم مملوء بالمياه حتى أفقد القدرة على التنفس وأنا أصرخ وأشهق وأشرق وأتخبط بين أيديهم في رعب شديد فيقومون بإخراجي للحظات ليسألني الضابط:
– هاه ؟؟ تذكرت يا حبيبي وإلا مازالت تحتاج لمساعدة!!!
فإذا أجبت بالنفي أعادوا الكرة لأجد نفسي أرى وجه الموت بأم عيني يتراقص هناك في قعر الجردل!!.. لينتهي بي الأمر للاستسلام التام فأجدني – وبشكل غريب يدعو للدهشة – وأنا في قمة الرعب – أقر وأعترف وأتذكر كل ما أعرف وما لا أعرف!، وأظل أهذي ذاكرًا اسماء كل معارفي وزملائي وأصحابي وجيراني منذ أيام الطفولة حتى أصابتي بهذا المرض نتيجة العدوى وأضيف عليهم أسماء وأوصاف لأشخاص آخرين أسعفتني مخيلتي بهم من باب التبرع!…….. وعند هذه النقطة من هذا الخيال السينمائي وصل القطار إلى محطة مركز المدينة، فأوقفتُ على الفور آلة عرض هذا الفيلم الخيالي الذي كان يتم عرضه على شاشة ذهني ومخيلتي وأشعلت الأضواء إيذانًا بانتهاء العرض!، فأخذ جمهور المشاهدين في قاعة العرض في رأسي يصرخون ويضربون بأرجلهم على المقاعد احتجاجًا على هذا الانقطاع المفاجئ للفيلم!… فغادرتُ القطار على عجل وأنا أردد: “أعوذ بالله من الشيطان”!.
سليم الرقعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى