دراسات و تحقيقاتفي الواجهةقانون وعلوم سياسية و إدارية

دراسة نظرية وتطبيقية …في الانتقال الديمقراطي وإشكالياته

 
التاه محمد حرمه
منذ كتابه “في المسألة العربية”، وعزمي بشارة منخرطًا في موضوع الانتقال الديمقراطي وهو موضوع مهم بدأ الاهتمام به عربيًا يتزايد منذ ثورات الربيع العربي عام 2010. ولا شك في أن كتاب عزمي بشارة هذا (الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة) قدم اضافة نوعية في مجال نظرية الانتقال الديمقراطي عربيًا.
صدر الكتاب في تموز/يوليو 2020 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. يقع الكتاب في 624 صفحة من القطع الوسط.
يتناول الكتاب مسألة الانتقال إلى الديمقراطية والنظريات التحديث ودراسات الانتقال ويعرض المؤلف هذه النظريات للفحص والتحليل النقدي ويضع إضافات عليها.
ولا يرى المؤلف أن في الإمكان فصل دراسة الانتقال الديمقراطي عن موضوعات، مثل بناء الأمة وشرعية الدولة ودور الجيش ودور القبيلة والقرابة وتشكّل الهويات، وغيرها. ولا يفترض أن ترتبط دراسات الانتقال بإدارة الظهر لهذه الشؤون.
ويصرّح عزمي بشارة إلى أن الديمقراطية تاريخيًا، لم تنشأ دفعة واحدة، بل بالتدريج. وينطبق ذلك على التوسع التدريجي لمحورَي الديمقراطية المعاصرة كما نفهمها، أي الانتخابات الدورية للحكام، والحقوق والحريات. لكنها أصبحت نموذجًا متكاملًا مطروحًا في ظروف اجتماعية اقتصادية ثقافية متفاوتة ومتباينة. وهذه معضلة دراسات الانتقال، فلا ينطلق الانتقال المعاصر من الليبرالية ويصل إلى الديمقراطية، ولا هو عملية توسع تدريجي لحق الاقتراع. إنه انتقال من النظام السلطوي إلى الديمقراطية بوصفها نظام حكم معروفًا ومجربًا، ونماذجه المختلفة جاهزة إلى حد بعيد.
ويعتبر بشارة أن التخلص من نظامٍ سلطوي بعينه لا يعني بالضرورة تحقيق الديمقراطية، بل قد يعني الانتقال إلى نظام سلطوي آخر. فثمة شروط في نظره يجب أن تتوفر أهمها، تبنّي الفاعلين السياسيين الرئيسيين خيار الديمقراطية، وعدم اتخاذ الجيش موقفًا مناهضًا للانتقال الديمقراطي، والعمل على توفير شروط تطبيق الانتقال وترسيخه.
وفق بشارة ساهمت دراسات الانتقال الديمقراطي في الإضاءة على جوانب مهمة من عمليات التحول من النظام السلطوي إلى الديمقراطية، والتمييز بين شروط الانتقال وظروفه وشروط ترسيخ الديمقراطية، لكنها ليست نظرية عامة، ولم تنتج قانونًا بل مجموعة قواعد ناجمة عن تنميط تجارب متعددة. ومن هذا المنطلق يقول إنه لا توجد استثناءات عربية لأنه لا توجد قاعدة.
ويذكر أن الديمقراطية ذاتها ليست علمًا بل هي نظام حكم، أي نظام سياسي. وقد ينشده الناس لأسباب مختلفة غير متعلقة به، بل بالتخلص من النظام السلطوي، وأزماته وآفاته، أو طلبًا لقواعد وإجراءات متفق عليها لحل الصراعات السياسية والاجتماعية سلميًا بين قوى ليست ديمقراطية بالضرورة، لكنه أيضًا نظام يقوم على قيم مثل المساواة والحرية بوصفها قيمًا جديرةً بأن ينشدها البشر في تنظيم مجتمعاتهم. وقد يتجاوز تحقيق الديمقراطية ما يعتقد أنه شروطها لأن ثمة من ينشُدها تطلعًا إلى عيش أبنائه في ظل نظام يحترم هذه القيم، وليس نزوة أو مكرمة من حاكم، بل لأن مؤسساته وقوانينه تقوم عليها.
يرفض بشارة، تعميم نظرية التحديث وتنظيرات الانتقال الديمقراطي الناقدة لنظرية التحديث. لم يحقق أي تنظير من هذا النوع، في رأيه، هدفه في الخروج إلى العلوم الاجتماعية والفاعلين السياسيين بتعميمٍ ينص على ضرورة توافر شروط سابقة على أي عملية انتقال إلى الديمقراطية غير اثنين هما: أولًا، الكيان السياسي المجمع عليه، أي الدولة بوصفها إطارًا سياسيًا مفروغًا منه ولا تساؤل في شأنه عند الأغلبية الساحقة من الناس والفاعلين الرئيسين، وعدم تشكيك أي تيار سياسي عن الدولة، بمعنى أنْ لا تساؤل في شأن شرعية الدولة ووحدتها عند الاختلاف على شرعية النظام السياسي. ويبدو هذا العامل بسيطًا، لكنه يشمل ضمنيًا مكونات اجتماعية ثقافية مهمة للغاية. ثانيًا، قبول النخب السياسية الرئيسية، أكانت في السلطة أم المعارضة أم في كليهما، قواعد اللعبة الديمقراطية. ويفتح هذا الشرط أفق التغيير في دولٍ لا يفترض أن تنظر تحقّق شروط نظرية التحديث في ما يتعلق بمستوى المعيشة، ومستوى التعليم، وغيرهما، كي يتمع سكانها بالمشاركة السياسية، وبالحماية من تعسف السلطات. لكن الشرطين المذكورين لا يكفيان لفهم ظواهر عينية مركبة مثل الانتقال في بلد محدد، أكانت بدايته الإصلاح أم الثورة، فشروطه الميسّرة والمعرقلة تختلف من بلد إلى آخر، وهي كثيرة يصعب حصرها، ولا تصحّ لكل البلدان في حالة الانتقال، ومن ثم فهي غير قابلة للتعميم ولتكوين نظرية. من الصعب جدًا، وربما من المستحيل، التوصل إلى شروط ضرورية وكافية وقابلة للتعميم لنشوء الديمقراطية في جميع البلدان. فالديمقراطية بالنسبة إلى بشارة هدف، وليست مرحلة تاريخية حتمية قادمة بفعل التطور والتقدم، بغض النظر عن أهداف الفاعلين واستراتيجياتهم.
ولا يتفق بشارة مع الأدبيات التي تنطلق من وجود صيرورات عالمية، أو موجات بلغة هنتغتون. وفي ما عدا كونها غير مثبتة، فإن مشكلتها الرئيسية تكمن في التعامل مع الظروف التاريخية في كل دولة بتصنيفها معوِّقةً لهذه الموجة العالمية أو مساعدةً لها.
في رأي بشارة، أن الموجات التي يفترض أن تُستَقرأ من التجارب العينية هي في الحقيقة إقليمية وليست عالمية. فالانتقال الديمقراطي قد ينتشر مثل جائحة أو عدوى (Contagion) في سياقات إقليمية، أو داخل فضاءات ثقافية اجتماعية سياسية متقاربة وقابلة للتأثير والتأثر. وأصلًا، لا توجد نزعة عالمية الديمقراطية يمكن أن تقع ضمنها التحولات في جنوب أوروبا وأميركا اللاتينية والمعسكر الاشتراكي، فلكل منها ظروفه، وإن تأثرت بعض دول أميركا اللاتينية بتجربتَي إسبانيا والبرتغال، فهذه «موجة» منفصلة عن «موجة» التحولات في أوروبا الشرقية التي قُرِئت بأدوات أخرى غير دراسات الانتقال في أميركا اللاتينية وجنوب أوروبا. لا توجد إذًا موجة عالمية أولى أو ثانية أو ثالثة للانتقال إلى الديمقراطية، خلافًا لتأكيدات أمثال هنتغتون، وكأن ما حصل في شرق أوروبا جزء من موجة عالمية.
في تحليله لبعض المقاربات النظرية يأخذ بشارة مسألة اللَّبْرَلَة السياسية والاقتصادية، أو مايسمى اللَّبْرَلَة المزدوجة؛ ويتسائل هل يمكن تطبيقهما سوية في مرحلة الانتقال؟ وأيهما يأتي أولًا؟ ويجيب لا يمكن معالجة هذه الأسئلة من دون الجمع بين مقاربة مؤسسية واقتصادية، ومقاربة خيارات استراتيجية للفاعلين كما في دراسات الانتقال.
ويتسائل مرة أخرى، هل توجد مهمّة من هذا النوع في حالات الانتقال الديمقراطي في الدول النامية؟ أم أن اللَّبْرَلَة السياسية وتوسيع نطاق المشاركة هي المهمة الرئيسية؟ هذه «الدوامة»، في رأيه، تصحّ في شرق أوروبا، وليس في العالم العربي الذي لا تكمن المهمة الاقتصادية الرئيسية فيه في الانتقال إلى اقتصاد السوق، بل في مكافحة فساد جماعات المصالح المحيطة بالنظام وسيطرتها على اقتصاد السوق، أي تحرير اقتصاد السوق القائم من شبكات الاستزبان للنظام السلطوي، واحتكار القلة. أما بالنسبة إلى دور الدولة في تقديم الخدمات، فلا يرى أن في الإمكان الإستغناء عنه لتحقيق العدالة الاجتماعية ولتفادي استثارة غضب شعبي ضد النظام الوليد.
يتألف الانتقال من النظام السلطوي إلى الديمقراطية بالنسبة إلى بشارة من صيرورتين أساسيتين: اللَّبْرَلَة بالإصلاحات، وهي عملية انفتاح وإعادة تعريف الحقوق وتوسيعها، وتؤشر إلى بداية الانتقال، ولها تبعات وإسقاطات تحدد أفق الانتقال. والدمقرطة، ومبدؤها المواطنة، وهذا يشمل الحق في أن يُعامَل الإنسان باعتباره مساويًا لبقية المواطنين في ما يتعلق بحقه في الإسهام في صُنع الخيارات الجماعية، وخضوع منفّذي الخيارات الجماعية للقانون، وقابليتهم للتعرض للمساءلة والمحاسبة. والمقصود هو المساواة بشأن الحق في المشاركة في صنع الخيارات الجماعية، بالانتخابات وبغيرها، وتحمّل مسؤوليتها. فالديمقراطية تقوم على المواطنة،وليست الدمقرطة هنا غير عملية تطبيق قواعد الديمقراطية وإجراءاتها، وتعميمها.
ينتقل بشارة إلى شيفورسكي، الذي بالنسبة له هو الأكثر مثابرة وتماسكًا منهجيًا من بين منظّري الانتقال، مع أنه لا يتفق مع تعريفه الاختزالي للديمقراطية، على منهج روستو وليبسيت وقبلهما شومبيتر، باعتبارها آلية انتخابية لتجنب الصراعات وحسم مسألة السلطة دوريًا وسلميًا.
ويلخص بشارة فكرة شيفورسكي في الانتقال في أنه يبدأ بصراعات وتوازنات في داخل النخبة الحاكمة ومع النخب المعارضة، وربما يصل قسم من النخبة الحاكمة إلى قناعة بأنه من أجل الحفاظ على مصالحهم أو جزء منها يفضل القيام بالإصلاح، والتوصل إلى تسوية مع المعارضة، والاتفاق على قواعد لعبة جديدة تضمن هذه المصالح، حتى بثمن مشاركة السلطة مع الآخرين، أو باتباع نظام تبادل السلطة سلميًا.
ويستعرض وصف شيفورسكي للانتقال إلى الديمقراطية. يحدث الانتقال إلى الديمقراطية هنا إذا اكتمل شرطان: 1. تفكك النظام السلطوي. 2. التزام جميع القوى السياسية المؤسسات الديمقراطية بوصفها إطارًا تتنافس في داخله لتحقيق مصالحها. ويعتقد أن شيفورسكي يلتقي مع جون رولز الذي لا يذكره أيٌّ من منظّري الانتقال، والذي يتحدث عن الديمقراطية بوصفها تسوية إجرائية واتفاقًا على قواعد اللعبة من دون أن يتنازل أحد عن أفكاره أو أيديولوجياته أو عقائده، وحقه في ممارسة الحريات ونشدان السعادة من دون المسّ بحرية الآخرين.
يطرح عزمي بشارة سؤال: هل مسألة الحقوق والحريات والتسويات هي أيضًا مسألة إجرائية أم جوهرية؟ وعلى طريق روستو في استبعاده الاتفاق على المبادئ عند التوافق على القواعد والإجراءات، كتب شيفورسكي أنّ التسويات في القضايا الجوهرية غير ممكنة لأنها لا يمكن أن تكون ملزِمة. وبحسب بشارة هو يقصد بذلك التسويات على مضامين البرامج السياسية، كمسألة الضرائب.
مرة أخرى، يطرح بشارة سؤال هنا هو: هل الحقوق والحريات هي مسألة مؤسسية، أم هي من ضمن المسائل الجوهرية التي لا يجوز الاتفاق عليها؟ فبعض البلدان العربية واجه استقطابًا دينيًا علمانيًا شمل قضايا الحقوق والحريات، وهذه لا تحلّلها تسوية إجرائية، إلا إذا أدخلت الحريات ضمن الإجراءات. وفي رأي بشارة، لا بد من إدراج بعض المبادئ القيمية ضمن التسوية الإجرائية لأي نظام ديمقراطي مقبل، أو إقحامها إذا لزم الأمر، تمامًا مثلما رأى باحثو الانتقال أنّ التسوية مع اليسار تطلّبت تنازله عن مواقف متعلقة بالملكية الخاصة، وهو تنازل جوهري وليس إجرائيًا. هكذا يجب أن يتنازل من لديه أيديولوجيا مناقضة للحريات المدنية والسياسية عنها ويُطمئن الآخرين إلى أنه لن يفرضها في السياسات إذا فاز في الانتخابات.
وفي نظره أن في حالة الدولة العربية، لا يجوز أن تكون الديمقراطية جسرًا لما تسميه الحركات الإسلامية حكم الشريعة، بتفسيرها هي لحكم الشريعة، مثلما لا يجوز أن تكون الديمقراطية جسرًا لانتخاب حزب فاشي علماني، غير ملتزم الديمقراطية ولا يحترم الحقوق والحريات. ولهذا لا بد من أن تتضمن التسوية الديمقراطية بعض المبادئ غير الإجرائية.
تتطلب التسوية المؤسسية ثلاثة شروط: 1. أن يكون للمؤسسات تأثير في نتائج الصراعات. 2. أن يؤمن أطراف الصراعات الذين أصبحوا شركاء في التسوية بأن للمؤسسات مثل هذا التأثير. 3. أن في الإمكان إنشاء المؤسسات التي تمنح أمانًا معقولًا للقوى السياسية. ويضيف بشارة هنا شرطًا رابعًا هو التزام الجيش والقوى الأمنية بالمؤسسات.
أثر نوع النظام السلطوي في عملية الانتقال
حصلت إصلاحات من أعلى في بعض دول أوروبا مثل إسبانيا وبولندا ودول أميركا اللاتينية وفي العالم العربي في ثمانينيات القرن الماضي، مع انخفاض أسعار النفط ونشوء حركات اجتماعية احتجاجية واسعة. ولم تحصل انشقاقات في السلطة الحاكمة نتيجة للإصلاح.
ويعتبر بشارة، أن أثر اللَّبْرَلَة في حالات الديمقراطية مزدوج؛ أولًا، تجرؤ المواطنين على الفعل السياسي بانخفاض تكلفة هذا الفعل. ثانيًا، انقسام النخب الحاكمة نتيجة للبرلة بشأن توسيعها أو التراجع عنها. وهذا الأثر الثاني لم يقع في الحالات العربية (الأردن والجزائر والمغرب والبحرين ومصر). بحسب بشارة إن ما يجب أن يجيب عنه الباحثون في شؤون العالم العربي هو: لماذا وأين يكمن الفارق؟ ولا يكفي استنتاج ما هو مفروغ منه، وهو أن الإصلاح من أعلى ليس شرطًا ضروريًا أو كافيًا للتحول الديمقراطي. ففي بلدان مثل البرتغال لم تكن البداية بالإصلاح، بل بانقلاب عسكري. ولذلك يميل بشارة إلى الاستنتاج أن الإصلاح ليس الطريق الوحيد لانشقاق النخبة الحاكمة، ولا الانشقاق هو الطريق الوحيد إلى الديمقراطية. ويتسائل: هل هو الطريق عربيًا؟ في تونس انقسمت النخبة الحاكمة نتيجة الثورة وليس نتيجة الإصلاح، هذا اعتبرنا الجيش جزءًا من النخبة الحاكمة. وانقسمت كذلك النخبة في الجزائر خلال الانتفاضة الشعبية في عام 2019.
مقارنة بشارة مفيدة لأنها تكشف بعض خصوصيات الأنظمة العربية الحاكمة، وأهمها في هذه الحالة هو: أولًا، تمركز السلطة حول الفرد الحاكم وجمعه بين الدكتاتورية الفردية البيروقراطية والسلطانية، ومنع نشوء تيارات مختلفة في داخل النظام قابلة للانشقاق، فالجميع أتباع للحاكم الفرد. ثانيًا، صحيح أن مركز النظام هو حكم الفرد، لكن النظام مؤلف من مكونات: أجهزة الأمن، ورجال الأعمال الجدد، والحزب الحاكم (إن وجد)، وغير ذلك، ما يمكّن الحاكم الفرد من استخدامها في مراقبة أحدها للآخر. ثالثًا، هو ما أسماه بشارة في كتابات أخرى بـ «المسألة العربية» وهي تتلخص في تأثير إشكالية الهوية باعتبارها عائقًا، ليس من ناحية عدم منح شرعية للدولة ورفع ولاءات سياسية فوق الدولة فحسب، إنما أيضًا بتدخل الدول الإقليمية في الصراع المحلي ولا سيما عبر الريع النفطي، والسعي إلى إنقاذ الأنظمة التي تعاني أزمة من دون إنقاذ الاقتصاد المأزوم، وهو ما أطلق عليه بشارة تسمية الثقافة الريعية أيضًا بنشوء فئة المثقفين والإعلاميين المعتمدين على دعم من الخارج، ولا سيما من دول غنية معادية للتحول الديمقراطي. وهنا يصبح التضامن العربي ليس عاملًا فحسب في نشر لهيب الثورات، أو الاحتجاجات الشعبية على الأقل، وإنما يعني تعاضدًا بين قوى مضادة للديمقراطية.
الإجماع على الدولة: الأمة والقوميات الإثنية
يبن بشارة أنّ التعددية التي تتيح التنافس السياسي على حكم الدولة، واحتمالات التغيير واللايقين اللذين يترتبان عليها، يفترض جميعها وجود إطار مستقر مجمَع عليه، يمكن تخيّله منفصلًا عن النظام السياسي القائم.
بالنسبة إلى بشارة بدأ تشكّل الدولة الحديثة تدريجًا قبل الحداثة، وساهمت المَلَكيات المطلقة في مركزة السلطة وتأسيس بيروقراطية الدولة. يُعرّف بشارة الدولة على أنها: 1. احتكار وسائل العنف الشرعي، والقدرة على ممارسة هذا الاحتكار، ما يعني أن الشرعية في هذه الحالة مشتقة من الدولة. فلا حاجة إذًا إلى هذه الإضافة لأنها تجعل التعريف دائريًا فيكفي أن الدولة تحتكر العنف. وافتراض القدرة على ممارسة هذا الاحتكار يتطلب شروطًا توفِّرها الحداثة مثل بناء جيش وأجهزة شرطة قادرة على فرضها على إقليم وسكان. 2. حدود سياسية جغرافية يُمارَس هذا الاحتكار في إطارها. وهذه الحدود هي الحدود السيادية. 3. شعب يقطن ضمن هذه الحدود خاضعًا لهذه الدولة، وتمثله الدولة رسميًا أمام الدول الأخرى، وأصبح يتألف في العصر الراهن من مواطنين في هذه الدولة. وما عادوا مجرد قاطنين على أرضٍ وموالين لسلطانٍ أو ملك، بل أصبحوا مواطنين في الدولة. 4. جهاز بيروقراطي متفرغ مكلَّف إدارة الشأن العام، يعمل لدى الدولة، ويشكل بوجوده جسدها المادي المحسوس. 5. سلطة تشريعية تسنّ القوانين من خلال سلطة من سلطة الحكم.
تأثير العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي
يفرق عزمي بشارة بين دور العامل الخارجي في عملية الانتقال نفسها ودورها في ترسيخ الديمقراطية بعد الانتقال. ويرى أن على الرغم من أهمية انتشار الأفكار من خلال وسائل الاتصال والتعليم والتأثير والتأثر الثقافيين، ونشوء ردات الفعل السلبية والإيجابية عليها، فهي ليست من ضمن العوامل الخارجية المقصودة في هذا النوع من الدراسات الذي يميل غالبًا إلى التركيز على العوامل السياسية الخارجية الفاعلة آنيًا، أي في أثناء فترة الانتقال. أما التفاعل الثقافي وانتشار فكرة الديمقراطية ومدى جاذبيتها وكيفية استيعابها بعيدًا عن تعقيدات واقعها الحقيقي، فهي عوامل مهمة جدًا، في رأيه، ولا تحظى باهتمام كافٍ، وصارت غير قابلة للفصل عن الثقافة الشعبية وثقافة النخب على حد سواء وما عاد الفصل بين «الأصيل» و«الدخيل» ممكنًا في الثقافة، كما في الاقتصاد، ولا سيما في مرحلة تشابك الأسواق والاقتصادات. وينطبق ذلك خصوصًا على التفاعل الثقافي العربي – العربي الذي يصعب حصر قنواته وأطره، من وسائل إعلام ومنظمات وأحزاب ومؤسسات عربية فاعلة على نطاق إقليمي ووسائل تواصل وأدب وفن. فهذه كلها غدت معطيات ومكوّنات في الخلفية السياسية والثقافية والاجتماعية القائمة في الدولة التي تجري فيها عملية التحول وتؤثر فيها.
يأخذ بشارة، على القائمون على دراسات الانتقال الديمقراطي عدم إعطائهم أهمية، للعوامل الدولية إذ لم يولوها أهمية كبيرة، ولم تفرد لها معالجات خاصة. إن منطلقهم الفكري هو المحرك الرئيس الذي دفعهم إلى التركيز على العوامل الداخلية وإهمال الخارجية، أو تحييدها. فغايتهم كانت البرهنة على أهمية الفعل السياسي في التغيير الديمقراطي. لقد أراد هؤلاء دفع النخب السياسية إلى الإيمان بإمكانية إسقاط الدكتاتورية والانتقال الديمقراطية. ويجد أنّ ما يسمى العامل الخارجي هو في أغلبية الحالات عبارة عن عوامل إقليمية، أو بيئة إقليمية. إن موجات الانتقال الديمقراطية من خلال التأثر والجاذبية هي غالبًا موجات إقليمية تتأثر بها شعوب وأنظمة من دول قريبة جغرافيًا وثقافيًا، وأحيانًا تتشابه بنية مجتمعاتها وأنظمتها. يستثني من ذلك حالات بناء النظام بتأثير قوة احتلال خارجية. ويقول إن البيئة الإقليمية هي من عناصر تعقيد صيرورة الدمقرطة عربيًا. ويستشهد بتدخلات السعودية والإمارات في إعاقة عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، والعمل ضدها ودعم معارضيها في أي دولة عربية، وكذلك نشوء مناطق نفوذ إيراني.
عن الثقافة السياسية والانتقال إلى الديمقراطية
تشكل ثقافة النخبة دور مهم في مرحلة الانتقال الديمقراطي وفي مرحلة ترسيخ الديمقراطية. كما لا يمكن إهمال ثقافة الجماهير أو التقليل من أهميتها في مرحلة حق الاقتراع العام وانتشار وسائل الاتصال والتواصل.
لا يتفق عزمي بشارة، مع الكثير من المحلّلين عن تأثير الثقافة السائدة عمومًا، أي ثقافة شعب بأكمله، مباشرة في مساندة الديمقراطية، أو عرقلتها. لأسباب خمسة: 1. لا يحمل شعب بأكمله ثقافة سياسية واحدة متجانسة. 2. مسألة ربط طبيعة نظام الحكم بالثقافة تفسيرية محضة، فمن الصعب إثبات وجود علاقة سببية واضحة. وما يجري عادة هو ربط نظام حكم قائم بثقافة قائمة بأدوات تأويلية في طبيعتها، وليس بروابط سببية. 3. يضمر هذا التفسير، من دون أن يفصح، مشاركة للشعب في السياسة. وغالبًا ما أقصي الشعب عن السياسة أصلًا. 4. القيم والعادات الاجتماعية تنظم علاقات الناس ضمن الجماعة غالبًا، وأحيانًا خارجها. أما طبيعة علاقة الفرد والجماعة بالدولة الحديثة فغالبًا ما تفرضها الدولة وتحدد قواعدها إذا حصل التلاقي المباشرة بينهما، مع تسجيل تحفّظ مفاده أنه في حالة ضعف الدولة الحديثة وقوة مؤسسات المجتمع، ولا سيما المؤسسات التقليدية، فإن مؤسسات الدولة تتأثر بها بشدة. 5. لا يمكن فهم تأثير قيم وأعراف اجتماعية تُعدّ عناصر مكوَّنة للثقافة السياسية في السلوك السياسي، إلا من خلال تفاعلها مع الظروف والمصالح ومع مستوى الوعي القائم أيضًا.
ولا يشك بشارة، في أن نقد الثقافة أو الثقافات السائدة مهم، ولا سيما في سياقات الصراع على العقلانية في مقابل الغيبية في غير شؤون الدين، وعلى مركزية القيم الأخلاقية في مواجهة العدمية. ولا مناص، بحسب رأيه، من خوض هذه المعارك الثقافية. لكن تغيير الثقافة جذريًا ليس شرطًا يجب على المجتمعات العربية انتظار تحققه كي تحظي بحقوق المواطنة في دولة ديمقراطية.
وفق بشارة يجب التمييز بين تأثير الثقافة السياسية للنخب الفاعلة، ولا سيما الفاعلة سياسيًا، وتأثير الثقافة الشعبية السائدة في عمليات الانتقال الديمقراطي حين تكون ذهنية النخب السياسية وسلوكياتها هي المؤثرة في صناعات القرارات. ويعتقد أنها تظل مهمة خلال مرحلة ترسيخ النظام الديمقراطي أيضًا، بسبب تأثيرها في القوانين والدساتير، والمداولات التي تجري في الفضاء العام، وعملية التنشئة الاجتماعية للأفراد عبر التعليم والإعلام غيرهما. وقد تكون النخب صغيرة أو ضعيفة التأثير، ولا سيما في عصر أصبحت فيه الجماهير مؤثرة من خلال حق الاقتراع العام الذي أصبح يطبَّق مباشرة ولا يتوسع تدريجًا مع توسع الثقافة الديمقراطية، وكذلك من خلال الثقافة الجماهيرية ووسائل التواصل. إن اعتبار ضعف النخب السياسية عاملًا مهمًا يؤكد أهمية الثقافة السياسية للنخب.
ويطرح بشارة سؤال هو: هل يجب أن يتوفر حدٌ أدني من الثقافة السياسية الديمقراطية لدى النخب السياسية بوصفه مطلبًا مسبقًا؟ ويجيب بنعم.
وتتلخص إجابته في الثقافة الديمقراطية التي يفيد أن تتزود بها النخبة السياسية في مرحلة الانتقال في محورين: 1. القابلية للحوار والمساومة والتوصل إلى تسوية الصراعات سلميًا بحلول وسط. 2. اعتبار الإجراءات والمؤسسات الديمقراطية التي أصبحت معروفة عالميًا الإطار الأفضل لتسوية الصراعات وحسم الخلافات بشأن السياسيات وإدارة الدولة سلميًا. وقد يكفي الانتقال نفسه أن تتفق النخب على الديمقراطية الإجرائية ومؤسساتها، ولكن بعدها مباشرة، أي في المرحلة الثانية من الانتقال، وهي مرحلة بناء المؤسسات وتشريع القوانين، تبرز أهمية توافر عناصر أخرى في الثقافة السياسية لنخب الانتقال التي غالبًا ما تقود بدايات النظام الديمقراطي وإنشاء المؤسسات بعد الانتقال. وعندها تحتاج إلى أكثر من قدرة على المساومة والحلول الوسط والاتفاق على الإجراءات. فبناء الديمقراطية في المرحلة المعاصرة يتطلب عنصرين إضافيين في ثقافة نخب الانتقال: أ. قبول مبدأ المواطنة وما يترتب عليه من حقوق سياسية وحريات مدنية وواجبات. ب. الالتزام بالمؤسسات والإجراءات الديمقراطية.
ورأى أن لم يكن ثمة حاجة في الماضي إلى جميع هذه المكونات لثقافة النخب السياسية. لكن في عصرنا الذي يشارك فيه الشعب مباشرة في المجال بعد الانتقال الديمقراطي، من دون اشتراط توافر هذه الثقافة لديه، يتطلب الانتقال الديمقراطي توافرها لدى النخب السياسية الرئيسة الفاعل في الانتقال. مثلما يتطلب عملها في بناء الديمقراطية ومؤسساتها إرساء قيم المواطنة في القوانين وتجذيرها لدى الجمهور الواسع المشارك في الحياة السياسية.
لا يتفق بشارة مع روستو ومن تبعه في أن ثقافة النخب ليست شرطًا في مرحلة الانتقال (وإن لم يصرح هو بذلك على هذا النحو)، وأنها تدفع إلى النظام الديمقراطي بحسابات براغماتية للمصلحة الذاتية فحسب، من خلال حساب لطبيعة الصراع ونتائجه. وتكتسب ثقافة النخب السياسية أهمية قصوى في مرحلة الانتقال، ولا سيما بعد التخلص من النظام السلطوي مباشرة. ويتفق بشارة مع مبدأ الثقافة السياسية للنخبة المتوسعة باستمرار والمتفاعلة مع ثقافة الجمهور، لكنه يؤكد في الوقت ذاته على خطرين هما عزلة النخب من جهة، والشعبوية من جهة ثانية.
ويرى أن معظم الأطروحات النظرية في سبعينات القرن الماضي وثمانينياته أخطأت في مسألة الانتقال الديمقراطي وترسيخه بتجاهلها أهمية الثقافة السياسية الجماهيرية، ولا سيما بعد الانتقال. لكن هذا النقد لا يغمطها حقها في أنها أكدت عمليًا ثقافة النخب السياسية لناحية استعداداها للمساومة وعقد التسويات في مرحلة الانتقال. وهنا يؤكد بشارة تأثيرها المهم غير المتكافئ مع أهمية الثقافة الجماهيرية، ولا سيما في بداية بناء النظام الجديد. كما يبيّن أن التزام الديمقراطية الإجرائية قد لا يكفي في عصرنا، لأن فئات اجتماعية واسعة تتدفق إلى المجال العمومي، وقد تحمل نخبها وقواها السياسية أفكارًا غير ديمقراطية يمكن تمريرها ضمن الإجراءات والمؤسسات، ومن هنا تأتي أهمية التزام النخب مبدأ المواطنة بما فيها الحقوق والحريات في مرحلة البناء، بعد الانتقال مباشرة.
الثورات العربية الإصلاحية
أطلق بشارة ما أسماه “الثورات الإصلاحية” على ثورات الربيع العربي، ويميز بين الإصلاح والثورة. ويرى أن الحالة العربية تختلف عن معظم الحالات التي درستها المشروعات البحثية في الانتقال الديمقراطي لم يجرِ التخلص من الاستبداد في البلدان العربية من خلال عملية إصلاح تدريجي تخللتها انتفاضات شعبية لتعميق الإصلاحات وتفاهمات واتفاقات بين القوى المعتدلة من النظام والمعارضة، بل تفجرت انتفاضات شعبية عفوية مع تزايد عنفوان النظام السلطوي وبطشه، وتحولت إلى ثورات، يسميها ثورات إصلاحية. والمقصود بـ “الثورات الإصلاحية” هي ثورات التي تطالب بتغيير النظام من خارجه خلف شعار إسقاطه، لكنها من حيث المزاج الشعبوي الذي يسود في أي حراك عفوي تصرفت في الاحتجاجات مثل ثورات، فرفضت أي إصلاح مقترَح لاحتواء الحراك الثوري حينما بدأت الأنظمة في التراجع أمامها، وأصرّت على تغيير النظام عبر تغيير رجالاته، لكن من دون أن تطرح بديلًا منه متمثلًا بقيادة جديدة تحتل السلطة. وهو ما تكرر في لبنان والعراق والجزائر. ويعتبر هذه الثورات الإصلاحية ابتكار عربي.
وبحسب بشارة من الضروري التمييز بين مصطلحات ثلاثة هي: الثورة والإصلاح والإنقلاب العسكري. ولا يقل ذلك عن أهمية التمييز بين مناقشة موضوع الثورة، وموضوع آخر هو الانتقال إلى الديمقراطية. فمن الخطأ الجسيم الخلط بينهما، وهو ما جرى غالبًا في الحالة العربية حين اعتقد كثيرون من مؤيدي الثورات في عامَي 2011 و2012 أن التخلص من نظامٍ سلطوي يعني الانتقال إلى الديمقراطية. ولم يمنحوا الموضوع الثاني (أي الانتقال الديمقراطي) الاهتمام اللازم حتى بدأت بوادر الانتكاسة في مصر. فشروط تفجّر ثورة، وحتى انتصارها، ليست هي ذاتها شروط الانتقال إلى الديمقراطية. هذان أمران مختلفان يربط بينهما تأثير نمط الاستبداد ونمط التخلص منه، وطبيعة القوى الثورية، في مسار الانتقال الديمقراطي، إذا بوشر به فعلًا. أما الانقلاب العسكري تحركٌ لجهاز رسمي تابع للدولة، إنه حصري وليس شعبيًا، ومن داخل النظام لا من خارجه. وقد يسمى الانقلاب العسكري نفسه ثورة بعد ذلك، وقد يحدِث تحولًا ثوريًا فعلًا، والأمثلة على ذلك عديدة.
هنا يتسائل بشارة: هل من استثناء عربي سوف يمنع الجزائر وغيرها من الانتقال إلى الديمقراطية؟ وبين بشارة من خلال عرض مقاربات التحديث ودراسات الانتقال أن الديمقراطية ليست ضرورية تاريخية ومسارًا حتميًا يلي تحديث والتمدين والتصنيع، وليس ثمة قاعدة توجد لكيفية الانتقال إلى الديمقراطية. ولذلك لا يوجد استثناء عربي لأنه لا توجد قاعدة أصلًا، مجموعة شروط ضرورية، لكنها غير كافية.
عن السلطوية وبناء الدولة في بلدان الثورات العربية
يتناول عزمي بشارة في هذا الفصل البلدان التي نشبت فيها ثورات عربية في عام 2010-2011 من زاوية قوة الدولة وشرعيتها. وينظر إلى قدرة الدولة العربية بشكل عام من زاوية قدرتها على جمع الضرائب مقارنة بالدول المتطورة، وذلك ليس لتفسير ضعف المواطنة وحقوقها، بل لتبيين الفارق بين قوة النظام وقوة الدولة، إذ قد تأتي سطوة النظام السلطوي على خلفية ضعف الدولة.
ويصوغ فرضيته بأن قوة الدولة ونجاعتها تظهر في الجباية في نسبة الضرائب المباشرة على الدخل إلى الميزانية، أما الضرائب غير المباشرة فعلى الرغم من أنها أقل عددًا من الأولى، فإن جبايتها أسهل لأنها لا تجبي مباشرة.
وهي نفس الفرضية التي صاغها نزيه الأيوبي في كتابه “تضخيم الدولة العربية”، إن المحاجة الرئيسية لكتاب الأيوبي هي: «أن معظم الدولة العربية دول «صلبة»، والكثير منها في واقع الحال دول «ضارية»، فإن قلة قليلة منها هي دول «قوية» حقًا. وعلى الرغم من أنها تمتلك بيروقراطيات ضخمة وجيوشًا قوية وسجونًا قاسية، فإنها ضعيفة على نحو يدعو إلى الأسى حينما تواجه مسائل من قبيل جباية الضرائب».
بعد تأكيده على أنّ السلطوية في حد ذاتها ليست دليلًا على قوة الدولة، بل قد تكون مؤشر ضعف، ينتقل بشارة إلى الأنظمة السلطوية في دول الثورات. إن ما يلفت نظره في الدول العربية الرئيسية التي تفجرت فيها الثورات هو نموّها «المشوه» في العقود الثلاثة الأخيرة وصولًا إلى التشابه في مركبات السلطة الحاكمة فيها، وذلك على الرغم من التفاوت في الأيديولوجيات واختلاف المواقع والاصطفافات في إطار المحاور الدولية. مضيفًا أن في هذا النظم لا يفصل بين الدكتاتور والمواطن الفرد حاجزٌ اجتماعي يشكل حمايةً للأخير. فبعد تهميش بنى المجتمع التقليدية خلال عملية التحديث، يقف الفرد وحيدًا أمام دولة الرئيس الأمنية بقدراتها غير المحدودة على قمعه. وقد تفسِّر المقولة الأخيرة أحد أسباب تميّز الاحتجاج ضد الأنظمة الجمهورية بحدّتها مقارنة بالاحتجاج ضد الأنظمة الملكية. وهذا يعود إلى الفارق في البنية والعلاقة بالمجتمع بين الأسرة الحاكمة المالكة من جهة، و«الأسرة الحاكمة» المستجدة في الجمهوريات من جهة أخرى. فالبنى التقليدية مانع للصدمات، وتخفف من وطأة القمع كما «تفلتر» النقمة والاحتجاج.
يفسر عزمي بشارة تفاوت بين تونس ومصر في ما يتعلق بنجاح تجربة الانتقال في تونس وفشلها في مصر بما يأتي : 1. دور الجيش ومدى تسييسه. 2. الثقافة السياسية عند النخب الحاكمة والمعارضة، بما في ذلك مدى التزامها النظام الديمقراطي في مرحلة الانتقال، ومدى مساهمتها في منع تحول التنافس السياسي إلى حالة استقطاب تتحول إلى شرخ اجتماعي. 3. التفاوت في الوزن الجيوستراتيحي للبلدين.
وبحسب بشارة تكمن الفوارق الأساسية بين تونس ومصر في موقف الجيش، ووعي النخب السياسية ودورها، والوحدة الوطنية لإنجاح الانتقال، والموقع الجيوستراتيجي، ويستنتج بشارة النظريات الآتية: 1. لا ينجح الانتقال الديمقراطي إذا عارضه الجيش أو إذا كان الجيش طامحًا للحكم، وإذا راهنت قوى سياسية رئيسة على الجيش بوجود مثل هذا الطموح. 2. من الضروري أن تلتزم القوى السياسية الرئيسية الإجراءات الديمقراطية وإخضاع خلافاتها لمهمة إنجاح المرحلة الانتقالية. 3. لا يمكن حكم دولة في مرحلة الانتقال بأغلبية ضئيلة بوجود معارضة قوية ومؤسسات دولة من النظام القديم تعارض الانتقال أو لا تتعاون مع الحكام المنتخبين الجدد. 4. كلما زاد وزن الدولة الجيوستراتيجي زاد وزن العوامل الإقليمية والخارجية، وإذا كانت هذه العوامل معادية للديمقراطية، فهذا يعني ازدياد التأثير السلبي للعامل الخارجي.
ثمة عامل آخر مهم أشار إليه بشارة بقوله: فكلما ابتعد بلدٌ عربي عن المناطق الغنية بالنفط وعن جبهة الصراع مع إسرائيل، قل احتمال تدخّل العوامل الدولية السلبي في عملية الانتقال الديمقراطي خشيةً على «الاستقرار». ويستشهد بالحالة التونسية حيث ساهمت هامشية تونس الجيوستراتيجية والاقتصادية في تحييد العوامل الخارجية السلبية، ومن ثم في نجاح الديمقراطية فيها.
خاتمة:
برأيي أن عزمي بشارة قدم في هذا الكتاب دراسة علمية رصينة، لما اتّسم به من دقةٍ في طرح والفحص والتحليل النقدي، وقدم إسهامًا عربيًا في حقل دراسات الانتقال الديمقراطي قد يعين أي باحث مهتم بالنظرية الانتقال الديمقراطي لفهم مسار الإصلاح والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى