أخبار العالمإقتصادفي الواجهةمال و أعمال

العولمة ‏الاقتصادية الجديدة ومخاطرها علينا

محمود يوسف بكير

في بداية المقال سوف نكتب عن خصائص العولمة الحالية ثم نعرض لما يطرأ عليها من تغيرات كبيرة بسبب ما يشهده العالم حاليًا من أحداث وتطورات سلبية وما نتوقع أن تجلبه من مخاطر علينا جميعا. والحقيقة أن الموضوع معقد ومتشعب ومتشابك، ولكننا سوف نحاول ما وسعنا أن يكون العرض مبسط ومختصر.
في بحث ‏قديم لي أتمنى أن أترجمه يوما إلى العربية وجدت أن العولمة ظاهرة قديمة جدا وأنها كانت قائمة في جميع أنحاء العالم تقريبا بما فيها الجزيرة العربية ايام الجاهلية فيما كان يعرف برحلتي الصيف والشتاء والتي كانت تقوم بها القبائل العربية في شكل قوافل تجارية لكل من الشام واليمن. ‏وظاهرة العولمة متوافقة مع طبيعة النفس البشرية في العمل والتكامل مع الآخرين وهذا بدون شك أفضل من القيام بكل شيء بشكل فردي وفي عزلة عن الآخرين. وفي العصر الحديث تكرست ظاهرة العولمة في العالم في الثمانينيات من القرن الماضي وأصبحت مصدرا كبيرا للنمو الاقتصادي من خلال خلق أسواق وشراكات ‏جديدة للتكامل الأفقي وخلق فرص عمل متميزة للعمال المهرة والمتخصصين للعمل في أي مكان في العالم في ظل تحركات حرة لرؤوس الأموال والتجارة والتنقل، والأهم من هذا خلق بيئة من المنافسة الحرة والتي تؤدي عادة إلى الابتكار وزيادة الإنتاجية وتحسين الجودة في كافة الأنشطة. ‏وكما كان للعولمة فوائد كثيرة فقد كان لها أيضا جوانب سلبية مثل زيادة فجوة الدخل والثروة بين الأغنياء والفقراء ونمو نفوذ الشركات متعددة الجنسية. ‏ومن الناحية السياسية فإن العولمة ربما كانت من العوامل الرئيسية لانهيار الاتحاد السوفيتي وتحول كل دول حلف وارسو والصين إلى النظام الرأسمالي لأن الشعوب أصبحت تمقت الاستبداد والقيود وتفضل الديموقراطية والانفتاح. ‏كما أن معظم عمليات الهجرة من الشرق والجنوب إلى الغرب والشمال تمت في ظل العولمة. أما الآن فقد أصبح من الصعوبة بمكان للعمال وحتى طلبة العلم و الراغبين في الهجرة الحصول على مجرد تأشيرات للسفر إلى الغرب، وبالطبع فإن لهذا التطور السلبي أسبابًا عديدة ليس هذا موضعها. ‏وكانت أهم خصائص العولمة في أوجها ما يلي:
١‏الكفاءة حيث كانت الشركات الغربية الكبرى تفتح خطوط إنتاجها الجديدة في أي مكان في العالم يمكنها فيه القيام بالعملية الإنتاجية بأقل تكلفة ممكنة وبالجودة المطلوبة ولذلك قامت مئات الشركات الغربية بإعادة توطين صناعتها من بلادها الاصلية إلى الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا وأفريقيا نتيجة لرخص تكلفة العمالة في هذه المناطق ‏وهو ما أدى إلى خروج مئات الملايين في هذه الدول الآخذة في النمو من دائرة الفقر وقد ساعد على هذا ما نسميه في الاقتصاد بأثر المضاعف Multiplier Effect””. ‏والحقيقة التي لا ينبغي أن نغفلها هنا هي أن هذه الشركات لم يكن يهمها كثيرا أن تعمل في بلاد ذات أنظمة استبدادية او رجعية طالما أنها تحقق هدفها وهو الربح. ولكن خلق فرص عمل في الدول النامية كما سبق أن ذكرنا كان على حساب العمال في الغرب الذين تضرروا من العولمة في هذا الجانب وقد أستغل ترامب هذا البعد السلبي للعولمة في حملته الانتخابية للفوز برئاسة أمريكا.
٢‏أيضا كانت رؤوس الأموال تتحرك بحرية وتتوجه إلى أي بلد يوفر عائدا أكبر على الاستثمار في المشروعات السياحية والعقارية وفي بورصات الأوراق المالية والأسهم والسندات …إلخ
٣‏كانت الحكومات المستقبلة لهذه الاستثمارات تعامل كل الشركات المحلية والأجنبية في مساواة كاملة ما عدا بلادنا العربية التي كانت ولا زالت تمنح مزايا أكبر للمستثمر الأجنبي بسبب حاجتها الملحة للاستثمارات والعملات الأجنبية وهو ما أوقع بعضها ضحية لما نسميه باستثمارات الاموال الساخنة وهي فئة من أسوأ انواع الاستثمارات الأجنبية حيث يعمل من يقومون بهذه الاستثمارات بسياسة تسمى Hit and run” ” وقد كتبنا مرارا ‏عن أن هذا النوع من الاستثمارات قصيرة الأجل لا يهدف إلا للمضاربة والربح السريع وليس له أي أهداف تنموية وهي ما نحتاجه في العالم العربي.
٤‏هذا النوع من الحرية في الانتقال والتجارة ورؤوس الأموال وإعادة توطين الصناعات الغربية أدى إلى نشاة شبكات من سلاسل الإمدادات السريعة عبر العالم وعلى سبيل المثال فإن صناعة أي منتج مثل السيارات أصبحت تتم من خلال الحصول على مكوناتها من عدد كبير من الدول بحسب الميزة النسبية لكل دولة وبأرخص الأسعار وبحيث تعمل سلاسل الإمدادات هذه على إيصالها إلى مصانع التجميع في الوقت المحدد وبدون تأخير وكذلك توصيل المنتج النهائي إلى المستهلكين في أي مكان في العالم وفي الوقت المفضل لهم وبسعر رخيص.

ظروف وخصائص العولمة الجديدة:
١‏أدى الانتشار السريع لوباء كوفيد 19 إلى إجراءات احترازية صارمة وإغلاقات لمعظم الأنشطة الاقتصادية في العالم بشكل لم يحدث في تاريخ البشرية وهو ما أدى إلى حالة من الكساد وارتفاع نسبة البطالة وتعطل عدد ضخم من سلاسل الإمدادات. ‏وكان هذا مصحوبًا بارتفاع كبير في حجم المدخرات على مستوى قطاع الأعمال والقطاع العائلي بسبب السياسة النقدية المعروفة بالتيسير الكمي والمحفزات المالية الضخمة التي كانت تقدمها البنوك المركزية والحكومات لكلا القطاعين كنوع من الدعم أثناء فترة الإغلاق وفي المقابل انخفض الطلب الكلي والإنفاق الخاص والعام أيضا بسبب الإغلاق وحبس الناس في بيوتها.
٢ ‏ولكن ما أن بدأت الحكومات في تخفيف القيود على حركة الأفراد وقطاع الأعمال حتى بدأت حالة من الرواج صاحبها اختناقات عديدة واضطرابات في سلاسل الإمدادات بسبب الطلب الكي المتزايد بشكلٍ سريع وبدعم من المدخرات المتراكمة. ونتج عن هذا بداية الأسعار في الارتفاع بسبب نقص الكثير من السلع حتى في الأسواق الغربية، ‏وكلنا يتذكر ما حدث أثناء الأزمة من عجز شديد في الكثير من المعدات والمنتجات الطبية والدوائية حتى البسيطة منها مثل ورق التواليت.
٣‏وهنا بدأت الشركات الكبرى وبضغط غير مباشر وأحيانا مباشر من الحكومات الغربية في إعادة النظر في شكل العولمة السائد والتي كانت تركز على الكفاءة والسرعة في سلاسل الإمدادات ولكن بعد أن بات واضحا أن الاعتماد الكبير على هذه السلاسل يحمل مخاطرا عديدة في تلبية احتياجات المستهلكين، ولذلك بدأت الدول الغربية في تبني سياسية جديدة تقوم على تأمين احتياجات شعوبها قبل أي شيء آخر وبأي ‫ثمن، ومن ثم حدث تحول جديد في سياسات العولمة يتمثل في إعطاء الأولوية لتأمين الاحتياجات وليس الكفاءة وخفض تكاليف الإنتاج كما كانت العولمة دائما، وبدأت موجة جديد من زيادة الأسعار على مستوى العالم وبالطبع فإن الدول الفقيرة أكثر من عانت من هذا التطور.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
٤‏ثم جاءت حرب أوكرانيا لتكشف عن مدى هشاشة قطاع الطاقة في أوروبا الغربية واعتماده بشكل كبير على إمدادات الغاز والوقود القادمة من روسيا، وكذلك اعتماد عدد كبير من الدول النامية على استيراد القمح والحبوب وزيوت الطعام و الأسمدة من أوكرانيا وروسيا حيث تحاصر روسيا الموانئ الاوكرانية وتمنعها من التصدير، وفي ذات الوقت يحاصرالغرب روسيا ويمنعها من التصدير والتصرف في أموالها. ‏وبالنتيجة ارتفعت أسعار الغذاء والوقود على مستوى العالم بشكل غير مسبوق وكالمعتاد فإن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي بشكلٍ تلقائي إلى ارتفاع التضخم بمعدلات كبيرة في كل مكان. وأصبحت كل الدول لا تهتم إلى بتأمين احتياجات مواطنيها من كل السلع الاستراتيجية وليس القمح والوقود فقط حتى ولو جاعت الشعوب الأخرى. ومن ‏باب العلم فإنه وبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الإخير فإن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء أدى إلى زيادة معدلات الفقر الذي أضاف في خلال ثلاثة أشهر فقط من مارس حتى يونيو في هذا العام أكثر من ٧٠ مليون إنسان إلى قائمة الفقر المدقع في الدول الفقيرة وأغلبها من أفريقيا، ويعني هذا أن هذه الدول إصبحت بحاجة إلى دعم دولي متعدد الأطراف لتأمين احتياجاتها من الغذاء وهذا ما تحاوله الأمم المتحدة دون وجود دعم قوي لها من الدول الغنية.
٥‏والآن نحن أمام معالم عولمة جديدة قاسية زاد فيها دور الحكومات بشكل كبير، وهي عولمة تقوم على أساس فرض العديد من الإجراءات الحمائية والإنغلاق على الذات مع بعض التحالفات الإقليمية. كما بدأت الحكومات الغربية تحث شركاتها على التعامل فقط مع الدول التي ترضى عنها الحكومات، هذا بالإضافة إلى إعادة التفكير في استراتيجية توطين الكثير من الصناعات الغربية الحيوية في الكثير من الدول خاصةً الصين.

بعض الآثار السلبية للعولمة الجديدة
‏بالطبع سوف يكون لهذه العولمة الانغلاقية التي أشرنا إليها مضار كبيرة على الدول النامية محدودة الدخل والتي تعاني أصلا من مشاكل كبيرة لانه من أخطرها زيادة ديونها الاجنبية وارتفاع معدلات البطالة واعتمادها على الاستيراد من الخارج لتوفير احتياجاتها الغذائية في الوقت الذي شهد انخفاض قيمة عملاتها النقدية أمام العملات الغربية خاصة الدولار بسبب ارتفاع أسعار الفائدة عليها وهو ما يعني ارتفاع قيمة المخصصات ‏الموجهة ليس فقط لخدمة الديون، ولكن أيضا لاستيراد الغذاء والوقود.
ومن المضار الإخرى التي قد تتعرض لها بعض الدول الآخذة في النمو ‏هي توجه الدول الغربية إلى إعادة ‏النظر في توطين الكثير من صناعتها في كل من آسيا وأفريقيا، وهو إن حدث فإن من شأنه أن يزيد معدلات البطالة في هذه الإخيرة وحرمان أبنائها من اكتساب ما كانوا يحصلون عليه من مهارات فنية عالية من المصانع والتقنيات الغربية في بلادهم.
وأخيرا هل ‏يعني ما سبق انتهاء عصر العولمة؟ الإجابة لا، لأنني لاحظت من بحثي القديم في العولمة أن ضوءها يخفت دائما في وقت الأزمات والحروب، ولكن ما أن تنتهي هذه المشاكل فإن بريق العولمة لا يلبث أن يعود من جديد لمزاياها الهائلة وكفاءة مبادئها الاقتصادية الأساسية التي تقوم على التخصص والتنوع والمنافسة والتعاون مع الآخر. بالطبع سوف تطول أزمة العولمة الحالية بسبب حرب أوكرانيا التي هزت ثقة الدول في بعضها البعض، ولكن ما أن تنتهي هذه الحرب العبثية والتي لن ينتصر فيها أحد سوى الغباء وهي دليل جديد على ما نردده دائما في مقالاتنا بغلبة اللاعقلانية على سلوك أسوأ مخلوقات الأرض ألا وهو الانسان. نعم نتوقع أن تعود العولمة بشكلها القديم الذي عرفته البشرية منذ أكثر من خمسة عشر قرنا لأن المصالح الاقتصادية كما تعلمنا أقوى من أي شيءٍ.

‏‏‏ محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى