أحوال عربيةأمن وإستراتيجية

العنف غير المتماثل

 
خليل قانصوه
طبيب متقاعد
السيرورة العنفية الإلغائية نفسها تتبعها على السواء ، بالتضامن و التكافل ، الدول الغربية الكاسرة ضد الدول الضعيفة و حكومات النظام الرأسمالي الليبرالي ضد الطبقات الشعبية الفقيرة وجماعات المهاجرين والنازحين ،و كذلك نظم الحكم اللاوطنية في البلدان المتخلفة ضد الحركات الوطنية . أما الغاية منها فهي قتل الآخر المطلوب محوه أو إسكاته و منعه عن الفعل ، بعد أن يتم التحضير لذلك بإيهام الدهماء بواسطة التلفيق الإعلامي و التشويه الدعائي و أحيانا التعاويذ أيضا ، أن الشر والضرر هما في طبيعة هذا الآخر ” المختلف عنا ” و بالتالي لا بد من حصاره حتى يُهزّله الجوع و من تجريده من السلاح حتى يسهل قنصه كما تصاد الحيوانات . يحسن التذكير هنا بأن الولايات المتحدة الأميركية فرضت على العراق حصارا عسكريا و اقتصاديا خانقا على مدى عقد و نيف من الزمن ، عملت أثناءه على نزع السلاح ، تمهيدا لغزوه و احتلاله و تدميره و تفكيكه في سنة 2003 .
يستند هذا كله ، ضمنيا ، على تمييز و فرز الجماعة المستهدفة بالتصفية عن الجموع المُراد تأليبها و تحريضها ضدها . أي أننا في أغلب الأحيان حيال سيرورة إبعاد أو فصل و عزل ، جماعية ، على أساس خطة موضوعة مسبقا ، وتحت إشراف قيادة تبتغي تحقيق رغبات لا يعرفها بالضرورة زعماء الدهماء الذين يرتكبون المذابح امتثالا لأوامرها . إن المجرمين الحقيقيين في قضية إحراق المدينتين اليابانيتين ، هوريشيما و نكازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية ، بواسطة السلاح النووي ، هم الرئيس الأميركي ومستشاريه ، وليس قائد الطائرة الذي ألقى القنابل على المدينتين المذكورتين . من نافلة القول أن ما أرادت القيادة الأميركية آنذاك تحقيقه ليس هدفا عسكريا ميدانيا ، و إنما هو ابلاغ دول العالم أنها الدولة الأٌقوى .
مهما يكن فإن السؤال الأساس يتعلق بمعرفة القادرين على ممارسة العنف غير المتماثل بحسب المصطلح الدال على مواجهة غير متكافئة بين مهاجم مدجج بالسلاح من جهة و مهجوم عليه أعزل أو شبه أعزل قياسا على ما يمتلكه الأول من سلاح من جهة ثانية ، ما يجعل نتائجها منطقيا ، محسومة سلفا كما لو انها ” رحلة صيد ” ، الأمر الذي يثير الحيرة حول مبرراتها وأهدافها المعلنة و المضمرة . زعمت وسائل الإعلام و الدعاية الغربية أن الدولة العراقية وقعت في قبضة حاكم غشيم ، يدعم الإرهاب و يهدد العالم بسلاح نووي ، و لكن الحقيقة التي تكشفت بعد الحرب ، أن الولايات المتحدة تريد نفط العراق ،و منع قيام دولة وطنية فيه لتوافر المقومات التي تتيح لها بأن تصير دولة إقليمية مؤثرة .
الجدير بالإشارة في هذا الصدد أن ممارسة العنف غير المتماثل فعليا ، ليست في متناول أية دولة ، بل هي حكر على ما يسمى الدول القطبية و لكن هذه الأخيرة تمنح إذا اقتضت حاجتها إلى ذلك ، إذنا بالقيام به ،نيابة عنها ، مؤقتا، بعد توفير الأدوات اللازمة و الشروط الملائمة ،لعصابة تتوكل بضرب الأستقرار الداخلي أو لدولة مجاورة لدولة وضعت على لائحة ” الإرهاب ” من أجل تأديبها أو قلب نظام الحكم فيها أو تفكيكها .
مجمل القول أن العنف غير المتماثل مرتبط عمليا بالقدرة على محاصرة الدولة المنوي أسقاطها ، عسكريا و اقتصاديا ، بقصد إرجاعها ، إلى أقصى الحدود الممكنة من مراحل تطورها البدائية ، بحيث يفترق الناس تحت تأثير انبعاث التخلف و الجهل و الشعوذة في المجتمع فيظهر التباين أكثر فأكثر فيما بينهم . هكذا يستطيع الصائد مطاردة الفريق الذي يستطيع أن يقدم عنه الصورة الأكثر غرابة ، فالعنف غير المتماثل يقتل الأكثر غرابة و الأكبر خطرا في مرآة الدول الغربية ، لتكذب و تتباهي هذه الأخيرة ،كما يفعل الصيادون أمام طرائدهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى