تعاليق

العالم يغلي وسيغلي

عبدالكريم يحيى الزيباري

أخطأ سليمان بن عبدالملك بقتله محمد بن القاسم الثقفي وقتيبة بن مسلم الباهلي. وأخطأ الرشيد الخليفة العباسي الخامس بعقد البيعة لثلاثةٍ من أبنائه. أخطأ الأمين بخلعه المأمون من ولاية العهد. وأخطأ المأمون بحصاره بغداد وهدمها وقتله شقيقه الأمين. وبعد الحرب الأهلية 198- 202 للهجرة لم تقم للإسلام قائمة إلى يومنا هذا. ملوك الحرب يأكلُ بعضهم بعضاً بعصبيَّات متناحرة!
الدول الجارة، أصدقاء أعداء، ينظر كلٌّ للآخر بطمع وشراهة وينتظر غفلةً للانقضاض، كحال البشر (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) وعَزَّني غلبني بقوته وحيلته.
السلام خُدعة وَوَهم ما لم يحتكرْ الأقوياء العنف بحكمةٍ بالغة ويدٍ من حديد. باللاتينية (سي فيس باسم، بارا بيلوم/ Si vis pacem, para bellum/ مَنْ أرادَ السلام فليستعدَّ للحرب)، وإذا لم يكن مستعداً، فسلام الجبناء، وحياة النعجة في حديقة الجزَّار، متى جاعَ ذبحها.
منذ بدءِ التاريخ، والعالم يغلي عنفاً، كما الآن. رغم كل الرسالات السماوية والمحاولات البشرية: القرن الثالث ق.م، أهابَ الرواقيون بالبشر تحرير أنفسهم من كلِّ ما يُفرِّق الإنسان عن الإنسان، الهوية اللغة الدين، الشعوب والناس أسرةٌ واحدة قانونها العقل ودستورها الأخلاق.
عثمان بن أرطُغرل حكمَ ربعَ قرن، وحكمَ ابنه الثاني أورخان 34 سنة، وحكمَ مراد الأول 19 سنة، وحكمَ بايزيد الأول 14 سنة ومات في أسرِ تيمورلنك. وحكمَ محمد الأول 8 سنوات. وحكمَ مراد الثاني خمسين سنة منقطعة سنتين، وحكمَ محمد الفاتح. ولم يكن انتقال السلطة سلميَّاً بين الأمراء، بل بدماء ومؤامرات أنهكت الدولة العثمانية شيئاً فشيئاً حتى تآكلت بسبب الفساد الإداري والأخلاقي والتخلف العلمي والثقافي. كما حدث في إمبراطورية روما التي حكمت العالم القديم لألف سنةٍ تقريباً، وأوجز حكمها مونتسكيو في كتابه الرائع (تأملات في تاريخ الرومان) والذي بدأه
(كان الملك رومولوس الأول 715 قبل الميلاد، وخلفاؤه في حرب متواصلة مع الجيران. كانوا في حاجة إلى الجال لتعزيز الجيش وإلى النساء للإنجاب، وإلى الأرض للتوسع والاستغلال)، وهذا هو حال القِوى العظمى إلى يومنا هذا. ففي أمريكا إذا اختار المجرم التطوُّع في الجيش لعدد من السنوات، يُعفى من جريمته. لا شيء في أذهانهم عن السلم الحقيقي، والسلم لديهم ليس سوى قِناع يخفي تحته الهيمنة والسيطرة والاستعداد للحرب والاحتلال في أية مبادرة توحي بتمرد الدول الصغيرة على مصالح الدول الكبرى، وليس شرطاً أنْ تخوضَ الحرب بنفسها، تسلط عليه أحد الجيران بمكرٍ ودهاء ووعود بالدعم اللامحدود، كما دفعت صدام إلى حرب الخليج الأولى، بوعود إنهاء الحرب في ستة أيام بقرار من مجلس الأمن. وصدرَ القرار، لكن الخميني رفض الالتزام: ألا يخجلون من سلامٍ ومدننا تحت الاحتلال مُدَمَّرة؟
الدول العظمى لا يخدمها السلام وهي لا تريد السلام إلا فوق السطح، وفي الداخل تستعد للحرب باستمرار، الذين يريدون السلام هم الحالمون:
القس دوسان بيير (1658- 1734) وضعَ مشروعاً يضمُّ جميع الدول لنصرة المظلوم. نشرَ كانط (مشروع دائم للسلام/ 1795) مُسْتَهِلاً بفندق هولندي نقشَ على ناصية فندقه رسماً يُمثِّل قبراً، ساخراً من الناس عامة، وخاصةً من قادة الدول المتعطشين للحرب دوماً. والفلاسفة الذين يستمرئون حلم السلام اللذيذ، وينظر إليهم الساسة كحكماء لا خَطرَ منهم على الدولة. مُعلِناً (أنَّ إنشاء حلف بين الشعوب هو السبيل الوحيد للقضاء على شرور الحرب وويلاتها). (يجب أن تلغى الجيوش الدائمة على مر الزمان، ‎لأنها تهديد دائم للسلام العام، فضلاً عن أننا حين ندفع أجراً لجندي لكي يقف حياته على قتل الغير مع استهدافه هو نفسه لأنْ يُقتل، فمعنى هذا أننا نعامله معاملة الآلة لا معاملة إنسان).
وغالباً ما ينتهي لجوء الشعوب للعنف في نضالها ضد الطغاة بمأساة، ولهذا احتملَ أحمد بن حنبل طوال خمس عشرة سنة، عانى فيها السجن والتعذيب، وظل ممتنعاً عن الفتوى بجواز الخروج على الإمام الظالم، واشترطَ القدرة الكاملة، والاتفاق العام، وهذا الشرط من الاستحالة بمكان.
كتمرد حمص وحماه 1976- 1982. في الحرب الأهلية قادة الشعب الهُواة، يناقشون الخطط، بينما الطغاة المحترفون ينقلون الإمدادات وينشرون الرعب والخراب. الطاغية ينتظر الفرصة بجسدٍ ثعلبٍ يتمارَض، وذئبٍ جائع، يتفوق على شعبه في أساليب العنف بسهولة. لماذا نجحت الشعوب في إسقاط دكتاتورية القذافي ومبارك وزين العابدين؟ لماذا فشلت الشعوب في الصين وكوريا الشمالية وطهران ودمشق؟ يتحدون ونتشرذم!
ألمانيا في القرن 17، تتكون من 234 دولة، و51 مدينة حرة مستقلة و1500 مقاطعة مستقلة، وَحَّدها بسمارك 1871، بخدعة صحفية بررت حربه واحتلاله فرنسا، وبسياسةِ داهية استطاع إقناع الجميع بفوائد وضرورة الوحدة، بعد احتلالهِ باريس بسهولةٍ تامة. والوضع في إيطاليا كان مشابهاً لكنهم اتحدوا. ومقاطعات سويسرا كذلك اتحدت 1848.
وعلى العكس تماماً سنة 1918 تفككت إمبراطورية هابسبورغ التي حَكَمت أوربا عِدَّة قرون ولم يبق منها غير النمسا. وسقطت استنبول بيد بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بعدما كانت الإمبراطورية العثمانية تحكم العالم الإسلامي ودول البلقان عدة قرون، وبدأت تتفكك سنة 1832 بتأسيس مملكة اليونان على يد روسيا وبريطانيا وفرنسا في مؤتمر لندن.
ولم يكن أحدٌ يعلم أنَّ انقلابين سنة 1979، سيحددان مصير المنطقة، في طهران وبغداد، لتندلع حرب الثمان سنوات، بلا سبب واحد منطقي. وكانت الكثير من الشعوب تغلي لإسقاط الأنظمة الدكتاتورية في القاهرة والأرجنتين واستونيا ولاتفيا ولتوانيا وبولندا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وسلوفينيا ومدغشقر ومالي وبوليفيا والفلبين.
القرن 18 وقعت دول البلطيق: إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، تحت هيمنة روسيا، استقلت بداية الثورة البلشفية 1917، ثم احتلتها بمعاهدة مولتوف 1940، واحتلَّها الألمان 1941- 1944، ثم عاد الروس ليبطشوا بهم ثمنَ تحريرهم من الألمان، فرفعوا نسبة الروس فيها إلى أربعين بالمئة، واليوم يعيش ستة ملايين في دول البلطيق هاجس عودة الهيمنة الروسية، الاتحاد السوفيتي 1991 تفكك إلى 12 جمهورية مستقلة. يوغسلافيا تفككت إلى سلوفينيا وكرواتيا وصربيا ومقدونيا والبوسنة، وانقسم التشيك والسلوفاك. وبينما يحتفل الروس 9 أيَّار بمناسبة انتصار الجيش الأحمر على الألمان وتحرير إستونيا، يتشاءم الإستونيون من هذا التاريخ باعتباره بداية الهيمنة الروسية، وتعتمد العلاقات الإستونية الروسية، العلاقات الروسية الأمريكية الأوربية. انضمت البلطيق لحلف شمالي الأطلسي 2004، وقبلها للاتحاد الأوروبي 2003.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى