سياحة و سفرمجتمعمنوعاتمنوعات

السفر بنظام الإنتر ريل في أوروبا .. ارخص طريقة للسفر في أوروبا

منير المجيد

الإنتر ريل (InterRail) كان، ومازال، الآلية المُثلى لقضاء عطلة جوّالة في بلدان أوروبا، خاصة لذوي الدخل المحدود (الطلاب على وجه الخصوص).
الفكرة تعود إلى العام ١٩٧٢، وتُختصر بشراء بطاقة قطار واحدة من أي بلد. هذه البطاقة يمكن إستعمالها لكل القطارات الأوروبية، ولا حاجة، في معظم الحالات، للحجز المُسبق.
وحينما لم تتح لي الظروف، لمليون سبب، من تحقيق الفكرة التي بهرتني حينذاك، أقوم بتحقيقها الآن. عشق القطارات يعود إلى أيام الطفولة وخط برلين-بغداد (قطار الشرق السريع).

ستبدأ الخطوة الأولى من رحلة الألف ميل اليوم، وكي أصل إلى بروكسل، يجب أن أغيّر ٥ قطارات وأتناول وجبتين واحتسي عشر زجاجات بيرة وأقوم بعدد غير معروف من زيارة تواليتات غير معروفة، أثناء عبوري ألمانيا من الشمال إلى الجنوب.

بداية رحلتي «الإنتر ريلية» صاحبتها المتاعب.
قطار مدينة «فليسنيورغ» الشمال ألمانية سار بدقّة ألمانية شائعة (سرعان ما سوف تنعكس الآية).
وضعت كاميرتي بعد أن غيّرت العدسة إلى تلك البانورامية، التي أفضلّها، على الطاولة الدائرية أمامي، تحسّباً للقطة مُحتملة.
«جاهز كجهوزية جندي»، قلت لنفسي، مُزوَّداً في الحقيقة بتلك الجرعة المُبالغة من الثقة بالنفس.
سارت الأمور على نحو رائع، حتى شدّ سائق القطار على فرامله بطريقة غير محتسبة بعد نحو عشر دقائق، أثارت بضع صرخات مكبوتة من السيدات المُسافرات، دون أن أدري ماذا خطر لذاك السائق سليل العاهرات والقوّادين، لأن كاميرتي انزلقت على نحو مفاجئ، ولم تسعفني حركتي، غير الرشيقة، بالتقاطها، فوَقَعَتْ على أرضية القطار مُصدرةً صوتاً لم يرحني.
وحينما تفحّصتها، بعد زوال الصدمة، لاحظت أن الكاميرا سليمة، لكن الجزء العلوي من العدسة كان قد مال بحزن وأسى، وأبى أن يعود إلى وضعيته السابقة، رافضاً أي تجاوب.
«كسُر الشرّ» قلت بتطيّر لا مُبرّر له بعد أن هدأت ثورتي الصامتة وإنتهائي من تسديد اللعنات والبذاءات، وأنا الذي يبعدُ عن الغيبيات. وكي أكون صريحاً أكثر أضفت « اي طزّ يعني»، وشتيمة ختامية.
أعرف أن هذه العدسة هي التي سوف تُتيح لي أخذ الصور العريضة لمشاهد الطبيعة والمدن كما جرت العادة. العدستان التاليتان مُخصّصتان لأخذ المشاهد المُقرّبة العريضة.
سأحاول أن أشتري عدسة اخرى، ربما أفضل، إن حالفني الحظّ. قلتها كي أُريح نفسي التي هزّها وقع الحادث.

وكأن هذه اللعنة لم تكن كافية، فقد تأخر القطار الثاني في مدينة نويمونستر لمدة خمس وثلاثين دقيقة، ليُربك برنامج الرحلة إلى بروكسيل بالكامل.
تكاثر المُسافرون على رصيف المحطة الضيّق أثناء فترة الإنتظار، في جو خريفي بارد شبه عاصف، وجاءت ثلّة من مشجّعي فريق كرة قدم «هامبورغي» من الدوري الثالث، واضعين مناديل تحمل شعار الفريق حول أعناقهم، وحمل بعضهم صناديق بيرة، شرعوا في احتسائها ضاربين عرض الحائط بالتوقيت المُبكّر، ووضع آخر جهازاً موسيقياً تحكّم به مستعملاً هاتفه على أغاني ألمانية صاخبة رديئة قد تكون من أداء فرق النازيين الجدد.
علاقة كرة القدم باحتساء البيرة والموسيقى الرديئة ستبقى أحجية عندي ما تبقى من حياتي.

بعد أن جاء قطاري أخيراً، هجم المسافرون بطريقة لا يمكن أن توصف إلّا بالهمجيّة وتدافعوا للدخول إلى الأبواب المنزلقة في قطار مصدره الأساسي من مدينة كيل محشو بمسافرين آخرين سيستعملون مطار هامبورغ تشبّثوا بحقائبهم الكبيرة، وكأنهم سيبقون في هذه الوضعيّة طيلة عمرهم، محتلّين السلالم إلى الطابق الأعلى تاركين فراغات ضيقّة لنا، كمستجدّين.
لم يكن هناك مقعد أو مكان شاغر واحد.
وجدت نفسي تماماً في وسط الفُسحة بين عربتين دون أن يُتاح لي حتى مسك أحد الأنابيب التي سوف تساعد على الحفاظ على توازني، ووسط رؤوس ووجوه الألمان الذين، كما خيّل لي، أفاقوا مُبكّرا ولم يتح لهم الوقت للإستحمام وغسل أفواههم. كانت رائحة الأنفاس كريهة وقتلتني ألف مرّة.
اهتزّ بدني برجّات رتيبة معروفة في لغة القطارات العالمية، وكرهت ألمانيا برمّتها. أنجيلا ميركل والمرسيدس بنز، جمعيات الرفق بالإنسان والحيوان واللاجئين وأحزاب العنصريين والخضر.
لم أشهد، طيلة عمري، مثل هذا الإكتظاظ وهذه الجمهرة من الناس، التي تداخلت معاً في فوضى لا تمتّ إلى صيت ألمانيا المنتظمة المُرتبّة المُنضبطة التي تُضرب بها الأمثلة.

وصلت إلى هامبورغ بعد ساعتين، مُعانياً من ألام شدّ عضلات الساقين كي لا أنتهي في حضن سيدة بدينة ما رائحتها تحمل ثمالة ليلة البارحة.
في هذا اليوم تغيّرت المسارات ومنصّات إنطلاق القطارات وكثُرت المعلومات والإرشادات التي لم أستطع إستيعابها لأن ما أعرفه من كلمات ألمانية محدودة لم تكن كافية لتسعفني. ضعت في الجمهرة واللوائح الإلكترونية وأنا أتنقّل لاهثاً بين رصيف وآخر وسلالم واخرى حاملاً أمتعتي وحقيبة ظهري التي شعرت، ولأول مرّة، بثقلها المزعج.
ما سمعته من نظام ودقّة «دويتشه بانه» ليس سوى هراء ومحض دعايات إمبريالية.
وحين وجدت، أخيراً، القطار الذي سوف يقلّني إلى هانوڤر، كان العرق قد بلل حتى مؤخرتي، وخشيت حقاً أن تكون رائحتي قد بلغت رائحة صحبي من المسافرين المستنفذين.
لحسن الحظ وجدت مقعداً رميت بجسدي المُثقل اللاهث عليه، وأنا أحسب ألف حساب حين الوصول إلى مدينة كولن، أو كولونيا كما يطيب لبعضنا تسميتها.
بقدرة عجيبة إستطعت أن أستقل القطار المٌغادر إلى بروكسيل من كولن لأنه، وربّ ضارة نافعة، كان قد تأخر هو الآخر عن موعد إقلاعه. لم يكن الفارق سوى ثلاث دقائق. هكذا.
زحمة وجنون المسافرين كانت قد هدأت بإتجاهات الجنوب، وكان هناك متّسع للجلوس في عربات نصف شاغرة، أو هل يجب أن أقول نصف ممتلئة؟
وحين انزلق قطاري بهدوء، غابت فيه وجوه العسس المتجهمة المُطالبين بجوازت السفر، كان يلتهم الكليومترات نحو بروكسيل، عاصمة أوروبا مُغتصباً مشهد الأرض والأشجار والتلال والسماء الملفعة بسواد الغيوم، والأمطار التي كانت تُشكل شلالات دقيقة على النافذة التي فصلتني عن طبيعة بلجيكا.

تماماً حين ترجّلي من عربة القطار، كان «فوزي اسطنبولي» يقف هناك ينتظرني.
أربعون عاماً زمنياً أبعدتنا عن بعض. صورة فوزي التي بقيت آثارها البعيدة حاضرة لم تكن سوى ذاك الشاب خفيف الظل المُبتسم دوماً، رغم خجله المزمن.
بسرعة لاحظت أن هذه السنوات جعلت منه رجلاً عذباً رقيقاً برقّة ينبوع جبلي مياهه صافية لامعة كالفضّة المصقولة بعناية، وروحه كنسمة باردة في قيظ الصيف. وبسرعة أيضاً اختفت كل متاعب رحلة اليوم فعادت البسمة وحلت محلّ مغص الوجه.

كانت زوجة فوزي «ميرنا باهو» وبمساعدة فعّالة منه، قد حضّرا طاولة طعام عليها خمسمائة صنف وصنف من مطبخنا القامشلاوي.
لكم هو أمر محرج إن تُشغل الأصدقاء بتحضير هذا الكمّ من الطعام!
بعد أول كأس عرق وضْبه فوزي بعناية، تحلّقنا حول كل ذاك الإبداع والجمال: ورق العنب اليبرقي، اليالانجي، أو اليبرق الكذاب الذي كان أصدق أنباءً من الكتب، والحمّص كان فوزي قد ذوّقه ومكيجه بأربعة خطوط حمراء من الفلفل الأحمر على كل جانب من الصحن الفخّاري البني، تماماً مثل الطبّاخين في مطاعم الأرمن في حلب.
لن أستطيع ذكر كل الأصناف الشهية، لكن لا بد من الإشارة إلى الجبنة البيضاء من صنع ميرنا المُحكم، وصلصة فوزي الحريفة التي مازالت تُثبت «فعاليتها» في كل مرّة ألبي فيها نداء الطبيعة.
أعادني سائق تكسي مغربي إلى فندقي وسط مدينة بروكسل وهو يطير مدفوعاً بشبابه الطائش، أو هكذا شعرت بعد كأسين ثقيلين أدارا رأسي بقوّة.

صباح اليوم الثاني قام فوزي بدور الدليل وعرّفني على بعض معالم المدينة التاريخية وتمثال Lil Piddler، الطفل البرونزي الذي لم يتوقّف عن التبّول منذ عام ١٦١٨ على زاوية شارعي Rue de l Étuve و Rue des Grands Carmes. ثمّ دار بلدية المدينة بطرازها القوطي، والتي تمّ بناء الجزء الأقدم منها عام ١٤٢٠ بقيادة «ياكوب فان تينين».
مررنا على العديد من محلّات بيع البيرة البلجيكية الأفضل في العالم، وكان ثمة بائع يفخر بعرض مائتين وخمسين صنف منها. أردت في الحقيقة أن أسأل إن يُسمح لي بتذوّق كل الأنواع حتى يستقرّ رأيي على النوع الذي سوف أشتريه.

بعد الظهر استقليت القطار المتوجّه غرباً نحو مدينة Brugge والتي تُلفظ «بروخه» بالفلمنكية و Bruges (بروچ) بالفرنسية.
اهتمامي بالمدينة يعود إلى فيلم In Bruges الإنكليزي من العام ٢٠٠٨، وإخراج «مارتين ماكدونا» وأداء «كولين فاريل» بدور «راي» حيث فرّ مختئباً من عصابة كان فرداً منها، وكان على قناعة تامّة أنه لن يُعثر عليه في هذا المكان الصغير الموحش.
الجزء القديم من المدينة هو على لائحة اليونكسو كإرث عالمي وتحتوي على أكثر أبنية العصور الوسطى الأوروبية المُصانة، وخاصة بناء وبرج كنيسة «سيدتنا»، التي تتوسط الساحة الواسعة في قلب المدينة القديمة. يقطنها نحو ٢٠ ألف من سكان المدينة البالغ عددهم نحو ١١٧ ألف حسب إحصاءات عام ٢٠٠٨.

أبسط مثال على عمق الخلاف بين الشقّ الفلمنكي والفرنسي هو القطار بين مدينتي بروكسيل وبروخه. حين المُغادرة من بروكسيل تُتلى المعلومات من مكبرات صوت العربات باللغات الفرنسية ثم الفلمنكية والألمانية وأخيراً الإنكليزية، وكذلك لغات اللوائح الضوئية. حين العودة فإن اللغة الفلمنكية هي الوحيدة المُستعملة. مراقب البطاقات الذي لم يتكلم سوى الفلمنكية حتى حين وصولنا إلى بروكسل، وهناك صار يتحدث الفرنسية كالبلبل الصدّاح.

اليوم عدت إلى ألمانيا (مدينة دوسلدورف بالتحديد) بعد أن عبرت بي القطارات البلجيكية البلاد من الغرب وإلى الشرق. القطارات العديدة التي بدلّتها كانت هادئة منتظمة وسارت الأمور على أحسن وجه. لا تزاحم ولا روائح فم كريهة.
الفندق أسمه Asahi. لم أكن أعرف دلالة للتسمية إلا حين وصلته، فهو يقع وسط العديد من المطاعم والمحلات االيابانية. مُصادفة غير متوّقعة.
بعد زيارة سريعة لمحل الألكترونيات الألماني الهائل Saturn وجدت عدسة Sigma 17-50 mm 1:2.8 EX HSM (أي نعم أي نعم)، بديلة لعدسة كاميرتي، أحسن من المغفور لها بثلاث وثلاثين مرّة.

أخيراً جاءني الخبر اليقين عن مسألة تأخير القطارات التي ضربت ألمانيا المُنظّمة المرتّبة: عطل كهربائي إلكتروني ضرب شبكة خطوط «دويتشه بانه»، فأداخ البلاد قبل العباد، وخاصة حضرتنا (لأنني أعتبر نفسي ذرّة صغيرة من المكوّن الأكبر).
حظي العاثر جعلني أخوض غمار الفوضى غير الخلّاقة. هذه الأعطال جعلتني أركض خلف القطارات كما كنّا نفعل للّحاق بباصات شارع بغداد في دمشق ذهاباً وليس إياباً. أصعد وأنزل الأدراج العالية والواطئة صعوداً ونزولاً لإيجاد منصّات الإنطلاق، وأنا أحمل حقائبي كما سيزيڤ يحمل صخرته المُبينة دون أية فرصة لخداع إله الموت ثاناتوس.

أردت، في الواقع، إنهاء رحلتي في هامبورغ، المدينة الأقرب إلى مزاجي في ألمانيا، إلّا أن أسعار المبيت في فنادق المدينة كانت ضرباً من الجنون. هكذا كانت المعلومات الإنترنيتية. فندق سبق أن بتُّ فيه عدة مرات سابقاً، قفز سعره من ٨٠ إلى ٥٠٠ يورو! ماذا يجري في ألمانيا بحق السماوات والجحائم (هل هذا جمع تكسير سالم مُعافى لجحيم؟).
مدينة آخن الجنوبية لم تكن أفضل. ذهبت إلى إحتمالات في مدينة دوسلدورف، فوقع نظري (وإختياري أيضاً) على فندق يحمل إسم «أساهي». هممم، ياباني؟ أساهي هو إسم بيرتي المُفضّلة في اليابان وتحوز على نسبة ٣٨٪ من مُجمل مبيعات البيرة في اليابان.
هكذا كان الأمر! توضّحت الصورة أكثر حينما قادني تلفوني الذكي إلى موقع الفندق على مسافة دقيقتين من المحطة الرئيسية. مطاعم، فنادق، دكاكين ووجوه يابانية في كل زاوية وزنقة.
في الفندق تحلّى الموظفون بتلك الأخلاق والخدمات اليابانية المعروفة فغمرني شوق وحنين إلى بلدي الثالث، المملكة اليابانية المُتّحدة من زمان المرحوم «ميجي».

بعد أن حصلت على كنزي المفقود على شكل عدسة محترمة لكاميرتي (كما أسلفت سابقاً)، أردت الحصول على طبّاخة الأرز المنشودة.
لم أستطع في كل هذه السنوات من زياراتي المتواصلة لليابان شراء الطبّاخة اللعينة، لأنهم يستعملون ١١٠ ڤولت، بينما الكهرباء في أوروبا هي ٢٢٠ كما هو معروف. وحينما كنت أسأل محلات بيع الأدوات المنزلية هناك عن إمكانية توفّر طلبي، كانوا يقولون: ربما في المدن الكبيرة، لكن ليس هنا. حينما أكون هناك فأنا أقيم في الريف، ولم أستطع إيجادها لدى باعة المدن الكبيرة في زياراتي السريعة المُختصرة.
حاولت كثيراً، ووجدت مبتغاي لدى موقع «أمازون». هؤلاء أرفض التعامل معهم بشدّة. لماذا؟ لأنني إن أردت شراء كتاب، على سبيل المثال، فإنهم سيطلبون أولاً بريدي الإلكتروني، ورغم أنني، وبوضوح، أختار «كبسة» أنني لا أرغب بتلقي عروض وأشياء رخيصة، فإنهم يمطرونني برسائل يومية تحثني على شراء هذا وذاك. كراهيتي للدعايات تُضاهي كرهي لملكة الغناء العربي «أحلام». هي ليست أحلام في الواقع بل مجرّد كوابيس شيطانية.
وكي لا أطيل مونولوجي الداخلي الذي لن يعني الكثير للكثير، فقد وجدت ضالتي لدى سوبرماركت ياباني فسط (كما يقول أهل حلب) دوسلدورف، التي فيها أكبر جالية يابانية ضمن أكبر جالية يابانية في أوروبا.
لم أهتمّ كثيراً بخدمة صاحب المحل التي لم تكن وديّة كما هي العادة في بلاد الشمس، لكنني خرجت من المحل مزهواً وأنا أحمل طبّاخي المحشو في كرتونة كبيرة لم أفكّر، ولا حتى لجزء من الثانية، عن مصاعب نقلها في قطارات مصابة بڤايروس عدم توتّر الكهرباء، على إعتبار أن التيار الكهربائي أقل حينما يكون التوتّر لعمودين أو أكثر هو الأكبر.

مررت على هامبورغ رغم إنف أسعار الفنادق، لأن الذهاب نحو الشمال ضرورة لتبديل القطار. وهناك كانت الطّامة الكبرى: تابعت التعليمات بدقّة، وذهبت أنتظر قطار «فلينسبورغ» على الرصيف ١١، وكان هناك لوح إلكتروني يُوضّح موعد الإنطلاق. طيب ممتاز! لكنني كنتُ أقف وحيداً، بينما على الرصيف المقابل، رقم ١٣، بدا إسم فليسنبورغ واضحاً على عربات قطار بطول شارع.
تعليمات مكبّرات الصوت باللغة الألمانية لم تسعفني، فسألت شاباً مرّ من هناك يجرّ كلبين صغيرين وراءه، لم يترددا لحظة بشمشمتي والتشبّث ببنطلوني. قال أنه من الواقعي أن أذهب إلى الرصيف التالي، الذي سيتطلّب مني السير لمسافة مُعتبرة وصعود درج سيزيفي آخر، ثم السير باتجاه الجنوب والنزول على درج سيزيفي ثالث.
صح! كان ذاك قطاري.

حينما استقرّ بي المقام، أخيراً، في مقعد وثير مريح، وأنا متعرّق في خريف الرايخ الرابع، صرت وبنوستالجية بليدة، أستعيد ما عرّضت نفسي له من تحقيق حلم الشباب: رحلة الإنتر ريل!
وعلى وقع طقطقة مفاصل السكّة، وأنا مُستلقٍ في مقعد جلدي وثير ومُترف، لاحظت أن خطوط السكك المتوازية العديدة على اليمين تلتقي في حقيقة الأمر، لأنها تندمج أحياناً لتغيير مسار العربات.
وفكرت أيضاً أن الحكم على جمال المدن لا يتمّ مُطلقاً من منظور جلوسي في عربة والمكتوب لا يُقرأ من عنوانه، فالصدأ يملأ السكك ماعدا الجهة العليا المصقولة بحكم مرور العجلات المعدنية، والأحجار الصغيرة السوداء تغطي الأرضيات لتنشر البؤس على المشهد، والجدران التي تحمي المناطق السكنية من الضجيج مليئة برسوم وحروف الغرافيتي القبيحة. هؤلاء الشبّان يستحقّون الجلد العلني في ساحات مدن المملكة العربية السعيدة (قلت لنفسي). حتى المناطق المُحيطة بمحطات القطار ليست جميلة، ففيها يلجأ الفقير والبائس والمُشرّد ومدمن الكحول والمخدرات والقحبة والعرصة ورجل البوليس.

كانت الأشجار والبلدات والقرى والبقر والماعز تختفي بسرعة بعد ظهورها بلحظات وبدا لي القطار كفم وحشٍ هائل يبتلع كل شيء.

حسناً، لن أكون سلبياً طيلة الوقت لأن هذه الرحلة أغنتني رغم كل المطبّات.
السفر بالقطارات متعة والإنتظار في المحطات ومراقبة وجوه المسافرين التي تحمل ألف تعبير مختلف ومغاير من واحد لآخر. كما في البصمات لا تتشابه.
هل اجرؤ على إعادة التجربة مرة اخرى؟ لا أعرف!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى