ثقافة

الأمن الفكري والإيجابية الدائمة

 
محمد طه حسين
أكاديمي وكاتب
قد يَتَعَقّد العالم أكثر فأكثر، ونَفقَد القَدرَ الأكبر من أمنِنا الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والروحي والثقافي، بسبب تهوّرات مُستخدمي التفكير السلبي وأصحاب العواطف الجيّاشة نحو التَمَحور حول الذات والمتنفّذين النرجسيين وأصحاب نزعات الموت والعدوان على مستوى العالم، ولكن الفكر يبقى أكثر حركيةً وأنشط توجيهيةً وأقوى إنسجاميةً وتكيّفاً مع الظواهر الجديدة، حيث يغيّر بُنِيّاته وصياغاته ولا يقف عند الإنهيارات والإحباطات التي إنساقَت المعمورة تجاهها وعلى وجه الخصوص نحن مخلوقات بلاد الحضارات الأولى والديانات السماوية التي تجذّرت هالاتها في اللاشعور الجمعي والتكوين السايكوكيميكي والسايكوفيزيكي والسايكوروحي لافرادنا ومجتمعاتنا.
لا يخرج الفكر الأصيل عن إنسانيته ومشروعه البنائي للكائن العاقل. ولا يشارك العقلاءُ، المجانينَ، في مشاريعهم الهدّامة وسَقطاتِهم المتكررة في أوحال النفسيات المُغَرّرَة بِهِم والمُنساقة الى الشبقِيّة الإفتراسية وشهوانية الدَّم. فالعقل هو جوهر الوجود البشري والصمّامة التي إن وجدتها البشرية، قد تستعيد العافية التي تعكّرت منذ أن كُسِرت خواطر بروميثيوس من قبل أخيه بزواجه بباندورا وما أن فتح إبيميثيوس الصندوق(صندوق باندورا) خرجت شرور البشر وجشعه وغروره ووقاحته ولم يزل هذا الكائن المسمى إنساناً مهرولاً صوب دهاليزه متمنياً حيازة الإرادة كي يتصالح مع بروميثيوس ويواجه مشاريع زيوس الإنتقامية!. فالبروميثيوسيّ هو النسخة الأصلية من البشر الحقيقي التي تحمل طوابع الإنسان المتعقل الباحث عن النور الخارج من عِتمة اللاوجود.
لا يُحتَبَس الفكر الأصيل المَنبت أو التفكير الإيجابي في معتقلات ذوي الفكر الهدّام، فالإيجابية ترادف العقلانية بالمعنى الحديث والعلمي للمفهوم. لا يعترف المفكر العقلاني بجغرافية معينة للفكر، إنه لا يقاس بالمقاييس الإحصائية ولا الرياضية، ولا يَحِد عند سقف معين ومحدود، فالفكر يتسع وسعة اللامتناهي، وقد يتجاوزه، وهذا بديهة من البديهيات الوجودية لظواهر الفكر.
قد يصادف الفكر أجواء ملوثة إجتماعية وسياسية وثقافية وحتى إقتصادية، ولكن يستغِلّ المفكر الجدي ذو العقل المنتِج تلك التشوّهات التي خَلَقَها أصحاب التفكير المنحرف، ويجعل منها مواضيع ومباحث لذات فاعلة ونشطة وجادّة، بهدف إعادة رسم الخراب الموروث من الكتل الإنفعالية التي سميناهم بشراً ومجتمعات وكيانات آدمية.
سُذّجٌ هؤلاء الذين يعتقدون بإعتقال العقل والفكر النابض وإمكانية سَلبِه من الحركة والغوص في المجاهيل، من الطبيعي إنّ الفكر الحيّ له إستراتيجية بناء عالم أكثر توازناً من حيث الحِراك الحضاري وجدلية التلاقي والتلاقح بين الحضارات والثقافات المختلفة، ولهذا يواجه مطبّات وعراقيل صنعتها الطبيعة من جانب، والكتل المنفعلة من البشر من الجانب الآخر، وعندها يبقى (الفكر) يتمسك أكثر فأكثر بأزلية إستراتيجية صناعة الإنسان أو بالأحرى أنسنة هذا الكائن البشري الهائج المنفعل الذي لا يزال يتحكم بأغلبية ساكني هذه المعمورة، وجعله متفاعلاً مع ذاته و الآخرين وكذلك العالم الذي رُمِيَ إليه على حدّ قول مارتن هايدغر، والذي إمتلأ عدواناً وفق ما تؤكدها عالمة النفس كارين هورناى. فإن قام العلماء والمفكرين والنفسانيين بتقسيم الفكر الى السلبي والإيجابي، لا يعني إنهم يعتبرون الضِّفّة الأخرى من التفكير بأنها آمنة وصالحة لبناء الحياة، بقدر ما يضعون في الكفة الأخرى وحدات قياسية بغية معرفة الأوزان للفكر الأصيل والإيجابي البنّاء.
المفَكِّر الحقيقي ذو التفكير الإيجابي هو سلطان عالمه اللامحدود واللامتناهي، كونيٌّ في التفكير لا يمكن تعريفه وفق منهجيات بُقَعية رورشاخية التي سرعان ما تنقشع وتتهاوى بفعل الكائنات الهائجة المنافسة، والتي نفسر نحن النفسانيين تلك الكائنات بعقول شيزوفرينية تشبه رسومات العالم النفسي السويسري صاحب الإختبار الإسقاطي للشخصية (هيرمان رورشاخ،1884-1922)، أو تشبه سحابات صيفية قد تتلاشى وتختفي دون إبقاء أثرٍ لها. بمعنى أبسط، فالمفكر والمثقف الجدي المنتج للفكر البنائي للإنسان العقلاني الحقيقي هو صاحب شخصية يقظة وواعية ترسل بشكل دائمي إشعاعات صادقة للتوازن الفكري والعقلي لها، ولا يشك فيها أحد على إنها صاحبة ذاتها وتجهد دوماً لتصحيح المسار وإعادة التوازن للموازين المُختَلّة التي سادت المجتمعات البشرية وخاصة الأوحال التي سقطنا فيها نحن هنا في الشرق الأوسخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى